حقيقة السحر في القرآن الكريم

حقيقة السحر في القرآن الكريم

منذ قديم الزمان وبخاصة في العصور البدائية كان يرى الإنسان البدائي أموراً غريبة لم يجد لها تفسيراً  كزمجرة الرعد والرياح والبرق والزلازل والبراكين، فكان يُحيل هذه الأمور إلى قوة خارقة للطبيعة، ومع اكتشافه النار وسيره خطوة إلى الأمام في طريق الحضارة أمسى يخترع لكل ظاهرة من هذه الظواهر إله يعبده، حتى يتقي هذا الشر المُحدّق به من كل اتجاه، هكذا كان يتعامل الإنسان البدائي مع الظواهر الطبيعية، حتى ظهر ما يُسمى بالسحر، واستغل بعض البشر جهل الناس للتأثير عليهم من خلال بعض الخدع ثم يتم إقناعهم أنها من عمل الجن والشياطين، لكن الآن ومع تقدم العلم في عصرنا الحالي ظلت بقايا هذه الأمور راسخة في وجدان الكثير على الرغم من تفسير العلم لمعظم الظواهر التي كانت خافية في الماضي السحيق.

لذا فإن فكرة السحر التي ترسخت في عقول الناس وما تحتويه من خرافات حول قدرات الساحر أو المشعوذ الخارقة التي تُمكنه من التأثير على حياة البشر في علاقاتهم وأرزاقهم وأفعالهم وأفكارهم هي من قبيل الجهل بالأمور.

ويرجع الإيمان بهذا السحر إلى عصور موغلة في القدم حيث ظهور حضارات عريقة مثل الفراعنة وبابل واستخدامهم السحر أي الخداع للتأثير على عقول الناس، ومنها استقى اليهود أفكارهم عن السحر نتيجة احتكاكهم بهذه الحضارات.

معنى السحر في اللغة العربية

لقد اتفقت معظم معاجم اللغة العربية بما في ذلك لسان العرب والوسيط ومقاييس اللغة ومعجم اللغة العربية المعاصرة وغيرها من المعاجم التي لا حصر لها على تعريف معنى السحر أنه كل ما خَفي من الأمور، وكل ما يجري مجرى التمويه والخداع، فيُرى على غير حقيقته.

أما كلمة السَحر بفتح السين فتعني آخر الليل وقبيل الصبح، حيث تتشوش الرؤية في هذا الوقت، ولقد ذكرت هنا معنى السَحر حيث أننا سنعود إليه بعد قليل.

إذن فالأمر كله مجرد خدعة، كما فعل سحرة فرعون مع الناس أمام موسى حينما قال الله تعالى ” يُخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ” فهو من باب الخيال ليس من الحقيقة في شيء.

 

آيات السحر في القرآن

تناول القرآن الكريم مسألة السحر في الكثير من الآيات، فلقد وردت كلمة السحر في القرآن الكريم 59 مرة، لا مجال هنا لذكر جميعها، لكن ما يهمنا هي المواضع التي ذُكر السحر فيها ضمن سياق تلك الآيات، فلقد تم ذكر الكلمة 40 مرة ضمن سياق ادعاء الكفار أن الأنبياء سحرة أو يأتون بالسحر، وتم ذكرها 15 مرة ضمن سياق موسى وسحرة فرعون، و3 مرات ضمن سياق إنكار معتقدات الكفار عليهم، ومرة واحدة حين تحدث الله تعالى عن هاروت وماروت.

فإذا تأملنا سياق الآيات التي تتحدث عن موسى وسحرة فرعون نجد أن القرآن كان واضحاً بشأن الخداع والتمويه الذي قام به السحرة أمام الناس، لذا نرى أن موسى طلب من السحرة أن يكون موعدهم يوم الزينة ولم يكتف بذلك بل أكمل قائلاً ” وأن يُحشر الناس ضحى ” لماذا ضحى .. أعتقد أن الإجابة واضحة بكل تأكيد ألا وهي أن الرؤية النهارية سوف تكشف الخدع التي يقوم بها السحرة ليسحروا بها أعين الناس، فإذا حضر أحدكم ذات مرة عرضاً سحرياً على أحد المسارح يجد أن من الأهمية بمكان أن تكون إضاءة المسرح خافتة حتى يستطيع الساحر أن يقوم بعمله على أكمل وجه، لذا أراد موسى أن يُحشر الناس ضحى ليبين إفك هؤلاء السحرة وخدعهم للناس، فنجد الله تعالى يقول في كتابه الكريم ” وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون ” ومن المعروف أن الإفك هو أشد أنواع الكذب.

لذا فإن الآيات التي ذُكرت في هذا المضمار تتضمن حقيقة واضحة وهي أن السحر الذي أتى به سحرة فرعون كان عبارة عن خفة يد وخداع لا أكثر ولا أقل، لكن ماذا عن سليمان وتسخير الجن له.

سليمان وتسخير الجن

يعتقد المؤمنون بالسحر وارتباطه الوثيق بالجن والشياطين أن القضية كانت لها علاقة بالسحر، لكن على العكس تماماً، فلم يكن سليمان على عكس موسى قد آتاه الله المعجزات كما قال تعالى بشأن موسى ” ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحوراً” هنا ذكر الله كلمة آيات التي تعني معجزات خارقة للطبيعة، أما بالنسبة لسليمان فلم يقل الله تعالى أنه قد أتاه معجزات أو آيات بل قال عنه ” ولقد أتينا داود وسليمان علماً ” إذن سليمان قد أتاه الله العلم الذي استطاع من خلاله أن يُسخر الجن والشياطين لخدمته، وكل ما حدث خلال عصر النبي سليمان كان من قبيل استخدام علوم قد منحها الله له فاستطاع من خلالها أن يُسخر الجن والرياح وغيرها من الأمور التي كانت تعتبر معجزات في هذا العصر، ولسوف نتناول مقال آخر يناقش قصة سليمان وعلمه.

هاروت وماروت

يستشهد الكثير من الناس بهذه الآية الغامضة دوماً إذا تم ذكر موضوع السحر، وعلى الرغم من عدم معرفتنا بهذين الملكين معرفة تامة لأن الله لم يذكرهما سوى في هذه الآية ، إلا أن كل القصص والروايات التي تناقلتها الناس عبر الأزمنة كانت مأخوذة من الإسرائيليات والكتب التراثية، ولا تمت للحقيقة بشيء بل هي مجرد خرافات وأساطير تناقلها الناس، سواء كانت القصة المشهورة عن الملاكين اللذان هبطا من السماء لتعليم الناس السحر والتي تتنافى مع القرآن قلباً وقالباً، حيث قال الله تعالى ” وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ “.

لنتأمل معاً هذه الآية بعيداً عن التفاسير التي تناولت قصة الملكين من منظور الاسرائيليات كتفسير بن كثير أو السعدي أو الجلالين، وبصرف النظر عن الاختلاف القائم على قراءة كلمة المِلكين بالكسر أو بالفتح فإني أرى أن هذان ملكين بالكسر، والتي تعني مَلك وليس ملاك، وبذلك نجد أن المعنى يستقيم، لكن كيف ذلك؟

إذا نظرنا في أسماء الملائكة التي ذكرهم الله في كتابه الكريم نجد أنهما جبريل وميكال، وإذا نظرنا إلى أسماء بعض الملوك والأنبياء مثلاً نجد أن هناك طالوت وجالوت، فهل هاروت وماروت الأقرب إلى أسماء الملائكة أم أنهما الأقرب إلى أسماء البشر، اعتقد أنهما الأقرب إلى تلك الأسماء التي تُشير إلى عادات التسمية في ذلك العصر، حيث أن طالوت وجالوت كانا في نفس عصر داود وسليمان، وأن هاروت وماروت هما ملكان من ملوك بابل.

أما الأمر الثاني أن الله تعالى قال في محكم آياته ” قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لأنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً” ، وقال أيضاً ” وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ” . إذن فمن المستبعد أن يُنزل الله ملائكة من السماء إلى الأرض.

لنعود إلى الآية ” واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ” وتعني الذين هجروا الكتاب الذي أُنزل على سليمان وشرائعه، وركضوا وراء تحريفات قام بوضعها الشياطين سواء كانوا من شياطين الإنس أو الجن، وذلك ليستطيع الملكان هاروت وماروت أن يحكما الناس عن طريق الخداع والمكر وقلب الحقائق، كما كان يريد فرعون أن يفعل مع قومه، إذ يقول الله تعالى عنهم ” قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ، قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ”.

” وما أُنزل على الملكين ببابل هاروت و ماروت” .. أي أن الله لم يُنزّل وحياً من السماء على هذين الملكين هاروت وماروت، ” وما يُعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر”، وقد اصطلحت المعاجم العربية على أن مصطلح الفتنة تعني الاختبار والابتلاء، أي أنهما عندما يُعلمان الناس هذا الإفك يخبروهم أنهم سيختبرونكم ليعلموا من منكم يكفر بما علمناكم.
” فيتعلمون منهما ما يُفرقون به بين المرء و زوجه”، وبعد انتشار الفتنة نجد أن هذا يؤدي إلى انتشار الفوضى الدينية، و الشك بين الناس فيكفّرون بعضهم البعض إلى الحد الذي يصل بالزوجة أن تُشكك في دين زوجها فتكفره و تفارقه، و الزوج يشك في دين زوجته فيكفرها و يفارقها.

سحر الرسول

تقول بعض الأحاديث في صحيح البخاري أن الرسول قد سُحر على يد اليهودي لبيد بن الأعصم، وهذا إفك بين يتعارض تعارضاً تاماً مع ما قاله الله تعالى في قرآنه العظيم، حيث قال الله تعالى ” إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين” فهل كان الرسول أحد هؤلاء الغاوين كي يتسلط عليه أحد الجن ويؤثر عليه، وماذا عن قوله تعالى ” والله يعصمك من الناس” وماذا عن ” فإنك بأعيننا”.

لو أننا عدنا إلى أعظم فترات التاريخ التي تم استخدام السحر فيها نجد أنها فترة الفراعنة في عصر موسى حيث قال الله عنها ” وجاءوا بسحر عظيم” لذا فإن سحرة فرعون هم الأفضل على الإطلاق في مسألة السحر، ورغم ذلك لم يستطع سحرهم مجتمعاً أن يُسحر النبي موسى فيتخلصون منه. إذن فمسألة سحر الرسول ما هي إلا من قبيل الافتراء على الله، وليست سوى محض خرافات.

لماذا هذا الإصرار على قبول خرافة السحر

يتعامل رجال الدين مع هذه القضية وكأنها حقيقة، بل وجل ما يهمهم هو ترسيخ الاعتقاد بتأثير السحر على حياة الناس، وجعل الناس يلجؤون إليهم ليفسروا كل ما يحدث لهم من مشكلات على أنها سحر، وهذا ما يسمح لهم بالسيطرة عليهم، كما أن هذا الأمر هو ما يؤدي إلى ظهور الدجالين والمشعوذين ليتكسبوا من هذا الأمر، فنجد أنهم يحصلون على أموال طائلة من كتب الأدعية والأذكار الخاصة بالوقاية من السحر، هذا بالإضافة إلى الأموال التي يربحونها مما يسمونها الرقية الشرعية وجلب الحبيب وحلقات الزار وكرامات السيدة خديجة المغربية.

لقد ذكر تقرير اعده الباحث الدكتور محمد عبدالعظيم بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة أن في مصر وحدها حوالي 300 الف دجال وساحر ومشعوذ في مختلف المحافظات المصرية، وقد ذكرت صحيفة المدينة السعودية أن العرب يُنفقون سنوياً على الدجالين ما يزيد عن 5 مليارات دولار.

لك عزيزي القارئ أن تتخيل كيف أن هذا الساحر يمكنه السيطرة على الجن والشياطين لجعلهم خدماً تحت طوعه، فهذا يعني إنه قد تساوى مع سليمان في ملكه، لكن هذه الخرافة لا يقبلها عقل المسلم السوي حيث يقول الله تعالى على لسان سليمان” قال رب اغفر لي، وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحدِ من بعدي إنك أنت الوهاب، فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص”

إذن هذا المُلك لن يتأتى لأحد غير سليمان ولن يتكرر كذلك، لذا فهذا المدعي بتسخير الجن فهو إما كاذب أو إنه كافر بهذه الآيات.

في النهاية لابد من التنويه أن معظم دول العالم المتقدم، لم تصل إلى تقدمها إلا بعد أن هجرت شعوبها كل تلك الخرافات والأساطير، واتبعت المنهج العلمي في التقصي عن الحقائق، إلا أن العالم العربي مازال غارقاً في بحار الجهل والخرافات، فإلى متى يستمر هذا الجهل؟!

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس ملزماً لأحد إتباعه

وائل الشيمي

كاتب وأديب مصري

اترك تعليقاً