رواية الأجنحة السوداء .. البداية (1)

رواية الأجنحة السوداء .. البداية (1)

أشعر أن الموت يقترب مني رويداً رويداً، ألمح على البعد ملك الموت بأجنحته النورانية ومنظره المخيف وهو يدنو بخطاه الحثيثة ليقبض روحي، أكاد أسمع خطواته، أشعر بالاختناق وكأن شيئاً ثقيلاً يجثم على صدري، الخوف يتملكني وأنا أتخيل تلك اللحظة التي هربت منها دائماً، لم أخف طوال حياتي، ولم أحس من قبل بمثل هذا الشعور الذي يعتري البشر أجمعين، شعور الفزع والخشية من الموت، أما الآن وأنا في انتظاره أعتقد أن شعور انتظار الموت لهو أشد قسوة من الموت نفسه.

لا أدر كم تبق لي من الوقت في هذه الحياة، ربما أيام، وربما ساعات، لا أدر في الحقيقة لكن ما أعرفه جيداً أنه لم يتبق لي الكثير، وها أنا الآن أجلس على مقعدي الوثير أمام الشاطئ ونحن على مشارف النهاية، بعد أن  أتممت مهمتي على أكمل وجه، أعود بذاكرتي للوراء إلى تلك السنوات القاتمة التي اتشحت فيها سماء الأرض بوشاح من السواد مما فعلته أيادي البشر، أنا لن أكذب عليكم فليس هذا وقتاً للكذب وأنا على بعد خطوات من الموت.

ألتفت حولي في لهفة وأتساءل أين أوراقي وأقلامي ؟….  آه، إنها هنا لقد سقطت من يدي على الأرض عندما تملكني هذا الشعور المخيف عن الموت.
لقد قررت أن أكتب القصة، ولسوف أسردها عليكم، لن أرويها منذ البداية بكل تأكيد، فالبداية الجميع يعرفها جيداً، لكني سأقص ما قبل النهاية بقليل، سأحكي لكم عنها كما عاصرتها، وكما عايشت أحداثها بنفسي ورأيتها بأم عيني، سأنقلها بكل أمانة وبكل حياد، وسأحاول كذلك ألا أُطيل عليكم لأن الموت يقترب.
وقبل أن أشرع في قصها عليكم، أريد أن أعترف لكم أني ما كتبت إلا لثلاثة أسباب أولهم لعل الكتابة تُلهيني عن ذلك الشعور المرعب الذي يعتريني، وتشغلني عن تلك الأفكار المريبة التي تجتاح عقلي، وثانيهم أرغب أن اُكفّر عن ذنبي وما اقترفته يداي من قبل، وثالثهم أتمنى أن تُخلد ذكراي على هذه الأرض بعد أن أرحل بعيداً.
لقد أطلت عليكم كعادتي، دعوني الآن أحكي قبل أن ينقضي الوقت، ويأتي المُهلك فينتزع مني حياتي التي لا أملك غيرها الآن.

_______________________

المكان: بقعة ما على الأرض
الزمان: ما قبل النهاية

دخل آدم القصر مهرولاً تعتريه مشاعر الخوف والقلق، تتسارع نبضات قلبه الذي لم يكف عن الخفقان بعد أن سمع بهذا الخبر المشؤوم، صعد السُلم وما أن وصل إلى غرفة أبيه حتى توقف فجأة وتثاقلت قدماه ولم تعد قادرة على حمله حينما أبصر الحشود الملتفة حول الجسد المُلقى أمامهم في سكون بعد أن خطفته المنون.

كانت الوجوه الحزينة تبوح بما تخفيه الصدور من الألم، والعيون تنساب منها الدموع من الأسى، وقف مذهولاً لبرهة من هول ما يراه، ثم انطلق يخترق صفوف الجمع إلى أن وصل إلى الجسد، فجثا على ركبتيه أمامه وهو يرنو  إليه، والدموع تنهمر من مقلتيه فسقطت دمعة ضلت طريقها من بين الدموع على الجثمان، وعندما رأته أمه المكلومة، اقتربت منه وربتت على كتفيه، التفت ورائه فقال لها وهو يمسح الدموع بيديه: لقد مات أب…
قاطعته الأم وقد أخذت على فمه واحتضنته قائلة: لا لم يمت.

جلال الموت

كان الجميع من أقارب وأصحاب يقفون في صمت ملتفين حول جسد الميت في خشوع وسكينة انتظاراً للحظة حمل الجثمان إلى مثواه الأخير، كانت نظرات الجميع تحمل الخشية والهيبة احتراماً لجلال الموت، وفي تلك اللحظات الصامتة تطلعت الوجوه الحزينة إلى آدم، عندما اقترب منه خاله وأخرج من جيبه مفتاح وأعطاه إياه وهو يقول له: هل لي أن أعهد إليك بمهمة ؟ فأنت الآن أصبحت رجلاً
استوى آدم واقفاً ثم أزاح الدمع جانباً وقال لخاله وهو ينظر إلى المفتاح: ما هذا؟
– هذا مفتاح مقابر العائلة… وعليك أن تذهب الآن إليها لتجهيزها حتى ننقل إليها جسد والدك، ولن يفعل تلك المهمة سواك، فهيا الآن أيها البطل.
لم ينبس آدم بكلمة، بل أخذ المفتاح وانطلق يحدس في سيره حتى وصل إلى المكان المنشود أمام مقابر ضخمة ذات بوابة حديدية كبيرة تحفها الأشجار من جميع جوانبها، ولّما رأي القبور المتراصة في تلك البقعة أمامه تمهل في مشيته، ودار في خلده كيف أن والده سينتقل إلى هذا المكان للأبد؟

مفتاح القبر

انتابه الفزع وبدأ العرق يتصبب منه لتلك الفكرة، حاول جاهداً أن يُبعدها عن عقله، وأن يُفكر فقط فيما أتى من أجله، وبعد لحظات تمالك أنفاسه، وألقى نظرة حوله فلاح له هدوء غريب يجثم على المكان، إنه هدوء الموت ذلك الذي أكسب المكان جلالاً ورهبة، أخرج آدم المفتاح ووضعه في ثقب مرتاج البوابة الحديدية فانفتح الباب على مصراعيه، عبر البوابة الضخمة متجها ناحية القبر الذي سُيدفن فيه والده، جلس لبرهة أمام القبر قبل أن يفتحه والأفكار ما زالت تطوف برأسه في عشوائية شديدة، تفكر فيما يفعله هنا في القبور وتساءل أمات والده بحق؟! أم هي الصدمة قد أطاحت بتلابيب عقله.

حتى الآن لا يُصدق بأن والده قد وافته المنية وأنه لن يراه مرة أخرى، كانت الدموع تنساب على وجنتيه كانسياب الأفكار الغربية عن الموت في عقله، مسح دموعه وتقدم بخطى متأنية حتى دنا من القبر، انحنى وخفض رأسه ليفتحه، وما إن فتحه حتى انطلق من داخله تيار شديد من الهواء الجاف الحار أطاح به أرضاً، تلتفت يميناً ويساراً بعد أن سقط على الأرض وهو يشعر بقشعريرة تسري في جسده فارتعدت على اثرها أوصاله، وعلى الرغم من شدة حرارة الجو في ذلك اليوم إلا أن جسده كان بارداً من الخوف.

ظهور الشيخ العجوز في القبر

حاول أن ينهض من مقامه هذا ليُكمل مهمته في تحضير القبر فإذا به يلمح على مدى البصر شيخاً بهي الطلعة قد أوغل في السن، يرتدي حلة بيضاء فضفاضة تظهر وكأن نوراً يشع منها، كانت لحيته البيضاء تنسدل في نعومة وانتظام وقد اكتست قسمات وجهه بأثر من أثار الزمن الغابر، اقترب منه الشيخ وهو يمشي الهوينى ومد إليه يده ليتشبث بها وينهض من مكانه، ولكنه خاف أن يُبسط للشيخ يده، كانت دقات قلبه تتسارع في رعب، وتجمدت أطرافه رغم قيظ ذلك اليوم.

أراد أن يستعيد رباطة جأشه، فاستند إلى الحائط المجاور له حتى يستطيع أن يهب معتدلاً، وبعد معاناة استوى واقفاً وشرع ينفض الغبار من ثيابه، أبصر المكان حوله ثانية فوجده مقفر ما برح يسوده الهدوء والسكينة ولا أثر يُذكر لذلك الرجل الذي رأه لتوه، أراد أن يطرد شبح هذه الأفكار المخيفة خارج رأسه ويفكر في شيئاً أخر، تطلع إلى الأشجار الكثيفة الأغصان التي ترفرف على المكان فتعطيه لمسة من السحر وقد عادت نسمات الهواء الرقيقة لتخفف من حرارة اليوم، أغمض عينيه واستقبل تلك النسمات فسرت في نفسه راحة قلما تعتري أحد في مثل ظروفه تلك، طافت الأفكار في رأسه مجدداً وهو مُغمض العينين حول ذلك الشيخ وتلك الخيالات التي رآها منذ قليل، تفكر قليلاً إلى أن أدرك أن الإرهاق الشديد الذي أصابه في هذا اليوم هو ما نسج له تلك الأوهام، وفي خضم هذه الأفكار نسى ما هو آت لأجله.

انتبه فجأة للقبر المفتوح أمامه وبدأ يلملم شتات نفسه، ألقى نظرة عن قرب عما بداخل القبر وبعد أن زالت غشاوة الدخان الذي صنعه الغبار إذا به يرى بعض الأكفان البيضاء ملتفة حول بعض الأجساد المنتظمة في تتابع داخل القبر فتذكر على الفور حادثة الطائرة المؤلمة التي أودت بحياة الكثير من أقاربه الذين كانوا على متنها، وفي تلك اللحظة شرد ذهنه وهو يتخيل نفسه في يوم من الأيام غير ما هي عليه الآن، وما سيحدث لها بعد أن تترك نور الشمس وتدخل إلى عالم الأموات المظلم.

الحارس

أمد يده إلى تلك الأكفان يحركها فلم يجد بداخلها سوى هياكل عظمية على نفس الوضعية التي دُفنت بها، هم يُزيح هذه الهياكل ليُفسح مكانا لجسد والده القادم وما إن أمسك بتلابيب الهياكل حتى تفتتت في يده وأمست رماداً، بحث عن شيء ليستخدمه في إزاحتها لكنه لم يجد فاضطر لاستخدام كلتا يديه، خر على قدميه أمام القبر وأمد رأسه داخله حتى جمع شتات ما تبقى من رماد الجثث وذهب بها إلى ركن منزوي داخل القبر، ولّما انتهى من عمله نهض من مكانه فاصطدمت رأسه بشيء وراءه، عادوه الخوف من جديد ودب الرعب في جسده والتفت خلفه بسرعة فإذا به قد اصطدم بغصن شجرة فأطمن قلبه وتنفس الصعداء، ولكن سرعان ما تبددت الطمأنينة وعاد قلبه ليخفق بشدة عندما نظر أمامه فوجد الشيخ العجوز يقف مبتسماً، اقترب منه وحاول أن يُمسك بجلبابه ليتأكد من أنها ليست إلا خيالات، وحينما اقترب أكثر وبسط يده إلى الجلباب وجد نفسه مُمسكاً بالهواء، وإذا بالشيخ مازال ماثلاً أمامه ينظر إليه لكنه لا يستطع أن يمسه، أوجس في نفسه خيفة وبدأ يتهته في حديثه وهو يسأله: م.. ن… أ.. ن…ت ؟ فأجابه العجوز بصوت رخيم: أنا الحارس
فسقط مغشياً عليه.

من رواية الأجنحة السوداء .. وائل الشيمي

صفحة الرواية على جود ريدز:

https://www.goodreads.com/book/show/43726823

 

وائل الشيمي

كاتب وأديب مصري

اترك تعليقاً