نظرية مالتوس حول السكان: معادلة بسيطة لكنها مرعبة

ظهرت في تاريخ الفكر الإنساني نظريات تركت بصمة عميقة على طريقة فهمنا للعالم. كان من بين هذه النظريات التي أثارت الكثير من الجدل والانتقادات هي نظرية مالتوس حول السكان. طرحت هذه النظرية سؤالًا شائكًا: هل يمكن للموارد أن تواكب المد المتزايد للسكان حول العالم؟ برز صوت الفيلسوف الإنجليزي روبرت مالتوس الذي اختصر معضلة البشرية في معادلة بسيطة لكنها مرعبة: النمو السكاني يتجاوز قدرة الأرض على الإنتاج. ووضع حجر الأساس لنقاش لم يخفت صداه حتى يومنا هذا بين التفاؤل بقدرة الإنسان على الابتكار وبين خشية الانهيار أمام الطبيعة العنيدة.
نظرية مالتوس والفقراء
“الفكرة الرئيسية التي يهدف هذا المقال إلى إبرازها هي: عدم احتمال أن تتمكن الطبقات الدنيا من الشعب، في أي بلد، من تحرير نفسها بشكل كافٍ من احتياجاتها وأعبائها لتحقيق مستوى عالٍ من التطور الفكري”… روبرت مالتوس – مقال حول السكان.
لا تزال انتقادات مالتوس لقوانين الفقراء يتردد صداها في العصر الحالي.. هل من المفيد مساعدة الفقراء في البلد أو في العالم؟ جواب رجل الدين الأنجليكاني هي، للأسف، لا.. يمكن للأعمال الخيرية أن تخفف من معاناة الفقر، لكنها لا تقضي عليه أبدًا. حيث يجعل التزايد السكاني والضغط على الموارد الأساسية قسمًا من البشرية يعيش في فقر مدقع دون وسائل كافية للبقاء على قيد الحياة. ولا تقلل المساعدات العامة من الفقر بل تجعل منه مشكلة مزمنة بتشجيعها الفقراء على الكسل والإدمان وغيره من الرذائل المرتبطة بانعدام المسؤولية الاجتماعية بين الفقراء. لماذا سيذهب شخص للعمل أو سيبذل جهدًا لتحسين وضعه إذا كانت معيشته ومعيشة عائلته مضمونة من خلال المساعدات؟[1] ولذلك يجب تعزيز الشعور بالخجل والرفض الاجتماعي تجاه الفقير لتجنب الكسل والعيش على المساعدات.
الكرامة والحرية
علاوة على ذلك، فإن المواطن الذي يحتاج إلى المساعدات العامة لتلبية احتياجاته الأساسية يكون خاضعًا لسلطة سياسية تستطيع التحقيق في قدرته على العمل ومهاراته ومكان إقامته، إلخ. إن الاعتماد على الدولة وتدخلها الذي يعاني منه المستفيدون من المساعدات العامة يمثل معروفًا مشكوكًا فيه.. إذ يأتي على حساب كرامتهم وحريتهم[2]. تبدو هذه الحجة التي قدمها مالتوس ضد قوانين الفقراء هي الأكثر تميزًا بين الحجج الأخرى. ليس فقط لأنها تعكس تقدير الليبرالية السياسية للحرية الفردية، بل لأنها تبرز أيضًا مدى الحساسية تجاه تدخل الدولة في حياتنا الخاصة اليوم.
التضخم الاقتصادي
الحجة الأخرى التي ظهرت في العمل المذكور ضد المساعدات العامة للفقراء هي التضخم. إذا قدمنا مساعدات مالية أو موارد للفئات الأكثر فقرًا دون زيادة الإنتاجية، فإن الأسعار سترتفع، لأنه سيكون هناك عدد أكبر من الأفراد الذين يمكنهم الوصول إلى الموارد المحدودة في المجتمع دون زيادة في تلك الموارد[3]. إذا كان هناك مائة قطعة من الخبز ومائة وعشرون شخصًا جائعًا، فإن تقديم مساعدة مالية لأفقر عشرين شخصًا لشراء الطعام لن ينتج عنه عشرين قطعة خبز إضافية؛ وبالتالي ستظل هناك حاجة إلى الموارد، وبالتالي الفقر.
الكسل والإدمان
إن الادعاء بأن المساعدات العامة ضد الفقر تشجع على الكسل لا يتوافق مع الواقع. فلا يشعر الأفراد بالراحة في حالة الفقر بشكل عام.. وفي الدول التي تقدم دخلًا أساسيًا لجميع المواطنين، تختار قلة قليلة فقط التوقف عن العمل والعيش على حساب الدولة. إن العمل الإنتاجي، رغم أنه قد يتحول أحيانًا إلى عبودية، ليس فقط ضرورة اجتماعية، بل أيضًا حاجة شخصية للفرد الذي يحتاج إلى الشعور بأنه عضو مفيد في المجتمع لتطوير احترامه لذاته. والإدمان على الكحول أو المخدرات والكسل لا تتسبب فيها المساعدات العامة للفقراء، بل هي أعراض للمعاناة والإهانة الأخلاقية التي تتعرض لها الطبقات الأكثر حرمانًا.
ليس من الضروري تعميم شعور العار تجاه الفقر المعتمد على المساعدات، لأن هذا الشعور موجود بالفعل لدى الفرد الذي يُقصى من المجتمع باعتباره عنصرًا غير منتج وغير ضروري. ولا يمكن إنكار احتمال أن يتبنى بعض المواطنين سلوكيات غير مسؤولة وأنانية عندما يستفيدون من المساعدات العامة.. ولكن أيضًا، لا يمكن الادعاء بأن هذه الميول طبيعية أو شائعة. ومن الناحية المنطقية فإن أفضل مساعدة لشخص محتاج هي تمكينه من كسب لقمة العيش بكرامة.. وإذا لم تكن هذه الإمكانية متوفرة، فلا يجب اعتبار المساعدة العامة حافزًا للكسل.
انتقادات نظرية مالتوس
وددت لو كان مالتوس منصفًا ولم ينتقد كسل الفقراء فحسب، بل أيضًا كسل الأثرياء، والمضاربين، أو المستثمرين في عصره.. هؤلاء الذين يستهلكون ويمتلكون ثروات مفرطة يمكن توجيهها، ليس إلى الإعانات، بل إلى تطوير النسيج الإنتاجي لتوفير عمل مفيد وكريم للفقراء.
إن نظام الدعم أو الصدقات أو الإعانات أو المساعدات العامة، مهما كان مسماه، يفترض وجود علاقة تبعية بين المواطن والدولة. لكن لا يمكن للكاتب الإنجليزي أن يتوقع من شخص لا يجد ما يأكله أن يقلق بشأن هذه التبعية. بالطبع، ينبغي أن نسعى لتقليل عدد المواطنين الذين يحتاجون إلى المساعدات الاجتماعية إلى أدنى حد ممكن.. لكن إذا وضعنا في الميزان الرغبة في الحرية المدنية في مقابل الحاجة إلى البقاء، فإن الكفة ستُرجَّح لصالح الحاجة إلى البقاء. لذا، إذا أردنا الدفاع عن استقلالية المحتاجين عن الدولة، فلا يمكن أن يكون الحل بحرمانهم من المساعدات المالية.. ومن ثم حرمانهم من حقهم في حياة كريمة. فالحرمان لن يجعلهم أكثر حرية، بل سيجعلهم أكثر موتًا أو اضطهادًا. يكمن الحل أولًا في محاولة إعادة تصميم العمل وتوزيعه بشكل عادل، وثانيًا، إذا تعذر ذلك، فليكن ضمان حياة تليق بالكرامة الإنسانية لكل أفراد المجتمع.
أخيرًا، يمكننا التفكير في أن المساعدات العامة للفقراء قد تحث على الكسل.. ولكن يمكننا أيضًا التفكير في أنه إذا لم تكن لدى الفقراء وسائل الحد الأدنى للبقاء، فقد يلجأون بسهولة إلى الجريمة لإطعام أنفسهم أو أطفالهم. لذلك، يمكن تفسير الإعانات أيضًا كاستثمار يساهم في السلام الاجتماعي ويوفر على الدولة نفقات السجون والقضاء والشرطة.
الاعتبارات الإنسانية في نظرية مالتوس
تعرض روبرت مالتوس منذ نشر النسخة الأولى من كتابه “مقالة عن السكان” عام (1798) لانتقادات بالغة. ووصم بعدم الإنسانية بسبب موقفه المعارض لقوانين الفقراء. إحدى الآليات النفسية الأكثر شيوعًا لتبرئة أنفسنا من أي اعتبارات إنسانية تجاه الآخرين هو الاعتقاد بأن معاناة الآخرين ناتجة عن أسباب طبيعية وحتمية (لتحضير عجة البيض، لا بد من كسر البيض).
يمكننا تجنب الشعور بالأسى إزاء الحروب بحجة أن الحروب شائعة منذ فجر التاريخ البشري.. أو بإقناع أنفسنا بضرورة الحروب لتقدم الحضارة. إن الشعور بأن معاناة شخص آخر طبيعية ولا مفر منها هو ميل متكرر، وربما ضروري، يجعلنا نتخذ موقفًا غير متعاطف تجاه المعاناة الحقيقية. هذا الميل النفسي هو ما وجه الفيلسوف الإنجليزي في انتقاده لقوانين هدفت في زمنه إلى تخفيف الألم المرتبط بالفقر.
الشك في الطبيعة البشرية
وفي الوقت نفسه، فإن موقف مالتوس المعارض للمساعدات الموجهة للفقراء مشروط بالمنظور الأيديولوجي الذي يجسده الاقتباس الذي افتتح به هذا المقال. واحدة من الجدالات الأقل شهرة في تاريخ الفكر هي تلك التي تحاول الإجابة عن سؤال..
هل الكتلة البشرية قابلة للتحسن، أم أنها محكومة بالبقاء في حالتها الحالية من الانحطاط؟
تبنى مالتوس الرأي الثاني، متعارضًا مع مفكرين تنويريين مثل ويليام غودوين، الذين كانوا أكثر ثقة في إمكانية تحسين الإنسان. ومما لا شك فيه أن الموقف المناهض للتنوير والرجعي الذي تبناه مالتوس يشكل توازنًا ضروريًا لمغالاة التفاؤل الساذج. ولكن هذا الشك في الطبيعة البشرية قاده أيضًا إلى نوع من اللاإنسانية.. وأودى به إلى العجز عن تخيل عوالم أخرى ممكنة يمكن فيها القضاء على الفقر من خلال تحسين طبيعة الإنسان.
في النهاية، ورغم ما لحق بنظرية مالتوس من انتقادات واعتراضات، تظل أهميتها في إثارة النقاش حول قضايا الموارد والسكان ومسؤوليات البشر تجاه الأرض التي يعيشون عليها. لقد أخطأ مالتوس في رؤيته الجامدة، لكنه أصاب في طرح تساؤلات حيوية ما زلنا نبحث عن إجاباتها حتى اليوم. ربما لم يكن العالم كما تصوره مالتوس تمامًا. وربما لا تزال الإنسانية قادرة على تجاوز ما اعتبره حدودًا. لكن يبقى درسه الأساسي حاضرًا.. على البشرية أن توازن بين أحلامها وإمكاناتها، وبين طموحها واحترامها لقوانين الطبيعة.
هوامش
[1] “إذا كان لدى جميع الناس ضمان بأن أطفالهم سيحصلون على رعاية جيدة من خلال المساعدات العامة، فإن الموارد الإنتاجية للأرض ستصبح غير كافية تمامًا لتوفير الغذاء اللازم للزيادة السكانية التي ستحدث حتمًا”.
[2] “ربما تكون إحدى أبرز الاعتراضات على هذه القوانين هي أنه من أجل ضمان هذه المساعدة التي يتلقاها بعض الفقراء، والتي تُعد خدمة مشكوكًا في فائدتها، يتم إخضاع جميع الطبقات المتواضعة في إنجلترا لمجموعة من القوانين المزعجة وغير المناسبة والاستبدادية.. وهي القوانين التي تتعارض تمامًا مع الروح الحقيقية للدستور الحقيقي”.
[3] “تميل هذه القوانين بوضوح إلى زيادة عدد السكان دون زيادة وسائل العيش. يمكن للفقراء أن يتزوجوا، حتى لو كانت احتمالات قدرتهم على إعالة أسرهم باستقلالية ضئيلة أو معدومة. يمكن القول إن هذه القوانين، إلى حد ما، تخلق الفقراء الذين تدعمهم لاحقًا. وبما أن موارد البلد يجب أن توزع على حصص أصغر لكل فرد، كنتيجة لزيادة السكان، فمن الواضح أن عمل أولئك الذين لا يتلقون المساعدة من الجمعيات الخيرية العامة سيكون له قوة شرائية أقل من ذي قبل.. وهذا ما يؤدي إلى زيادة عدد الأشخاص المضطرين إلى اللجوء إلى هذه المساعدة”.
المراجع
نظرية السكان: مبحث في مبدأ السكان وتأثيره في مستقبل تطور المجتمع – توماس مالتوس – ترجمة فادي الطويل.