قراءة في كتاب “نهاية الإنسان” لفرانسيس فوكوياما

You are currently viewing قراءة في كتاب “نهاية الإنسان” لفرانسيس فوكوياما
قراءة في كتاب نهاية الإنسان: عواقب الثورة البيوتكنولوجية

في كتاب نهاية الإنسان: عواقب الثورة البيوتكنولوجية يتحدث فرانسيس فوكوياما عن عواقب الثورة البيوتكنولوجية على مستقبل الطبيعة البشرية وتأثير ذلك على السياسة والأخلاق. قسم فوكوياما كتابه إلى ثلاثة أجزاء، ولسوف نستعرضها في هذا المقال.

ملخص كتاب نهاية الإنسان لفوكوياما

الاستنساخ، استخدام الأجنة البشرية كمواد تجريبية، الاستخدام المتزايد للعقاقير ذات التأثير النفساني للتحكم في السلوك، ليست سوى بعض المشكلات التي انتقلت من المجلات العلمية إلى الساحة السياسية. لقد بدأنا نلمح أن ثورة التكنولوجيا الحيوية تجلب معها تقدماً علمياً يبعث على الأمل. ولكنها تجلب أيضاً مخاطر جديدة تتطلب وقفة.

فرانسيس فوكوياما ليس عالماً ولا خبيراً في أخلاقيات علم الأحياء، ولكنه أستاذ للاقتصاد السياسي الدولي بجامعة جونز هوبكنز. أثارت أعماله قضايا مهمة، وإذا قرر التعامل مع تداعيات التكنولوجيا الحيوية، فذلك لأنه يخشى أنها ستغير الطبيعة البشرية وتؤدي إلى مرحلة “ما بعد الإنسان” من التاريخ. وهي “لا تطرح مشكلة أخلاقية فحسب، بل مشكلة سياسية أيضاً”.

الجزء الأول

قسم فوكوياما كتابه إلى ثلاثة أجزاء. الأول هو توليف إعلامي ناجح للإمكانيات والمخاطر الجديدة التي توفرها التكنولوجيا الحيوية فيما يتعلق بتعديل السلوك البشري، والتلاعب بالعواطف، وإطالة العمر، والهندسة الوراثية. لا يؤمن فوكوياما بالحتمية البيولوجية. لكنه يؤكد أكثر من المؤلفين الآخرين على العوامل الجينية المحتملة في الذكاء والسلوك. فلا يرى أي خطر وشيك، معترفاً بأنه “ليس لدينا حالياً إمكانية لتغيير الطبيعة البشرية بأي طريقة مهمة”. لكنه يعتقد أن هناك أسباباً للقلق بشأن الهدف النهائي للمسارات التي بدأت بالفعل.

الجزء الثاني

في الجزء الثاني من كتاب نهاية الإنسان، يتناول فوكوياما الأسئلة الفلسفية التي تثيرها القدرة على التلاعب بالحياة البشرية. حيث يرى فوكوياما الخطر المتمثل في أن التكنولوجيا الحيوية تعدل الطبيعة البشرية. وهو مفهوم يدافع عنه ضد منتقديه، والذي يؤسس عليه حقوق الإنسان. ربما تكون فكرته عن الطبيعة محدودة إلى حد ما من وجهة نظر فلسفية: “مجموع السلوك والخصائص التي تميز الأنواع البشرية، والتي ترجع إلى عوامل وراثية وليست بيئية”. لكن الاستنتاجات المستمدة منه – وجود حس أخلاقي فطري، والكرامة المتساوية لجميع الرجال – يشترك فيها أولئك الذين يتبنون مناهج أخرى.

الجزء الثالث

يوضح الجزء الثالث طرق إنشاء إطار تنظيمي للتكنولوجيا الحيوية. وهو يعتقد أن الوقت قد حان لسن التشريع. وتنظيم التكنولوجيا الحيوية ممكن. كما تم تنظيم الأبحاث الأخرى حول الطاقة النووية أو إجراء التجارب على البشر. يشير فوكوياما في الغالب إلى القوانين والوكالات الأمريكية. لكنه يقترح بعض المعايير العالمية، مثل التمييز بين التطبيقات التي تسعى للحصول على تأثيرات علاجية وتلك التي تهدف إلى تحقيق تحسين النسل.

اقرأ أيضًا: خلاصة فلسفة ديفيد هيوم التجريبية

قراءة في كتاب نهاية الإنسان

ملخص كتاب نهاية الإنسان
فرانسيس فوكوياما

يبدأ فوكوياما كتابه بمقارنة بين روايتين هما رواية جورج أورويل (١٩٨٤) ورواية عالم جديد شجاع لألدوس هكسلي الذي نُشر عام (١٩٣٢). تنبأت الروايتان بالمستقبل لمرحلة الخيال بالنسبة للقارئ. حيث تدور أحداث رواية ١٩٨٤ حول ما نسميه تكنولوجيا المعلومات. فالحكومة تلغي الخصوصية بمراقبة كل كلمة وكل فعل عن طريق شبكة هائلة من الأسلاك.

أما رواية عالم جديد شجاع فيعالج الثورة التكنولوجية الثانية التي كانت على وشك الحلول. وفيها تناول هكسلي موضوعات مثل، تفريخ البشر خارج الرحم، أو خارج الجسم الحي، أو عقار الصوما الذي يمنح الناس السعادة الفورية. وبعد مضي أكثر من نصف قرن على نشر الكتابين؛ كانت تنبؤات رواية (١٩٨٤) خلاف ما حدث. فلم يكن هناك أي مركزة للمعلومات ولا للحياة الاجتماعية، بل على العكس من ذلك فإن تطور وسائل الاتصالات ودخول الإنترنت لكل بيت كسر جدار احتكار المعلومات أو مركزتها. وأصبحت المعلومات بمتناول الجميع وبأسهل الطرق.

أما رواية عالم جديد شجاع فيقول فوكوياما بأن البصيرة السياسية لا تزال تنتظر التقييم. لقد تحقق الكثير مما تنبأ به هكسلي من تكنولوجيا، والبعض الآخر في سبيله إلى التحقق. على سبيل المثال الاخصاب خارج الرحم الأمهات البديلة العقاقير التي تعمل على العقل، الهندسة الوراثية لتصنيع الأطفال. لكن هذه الثورة لا تزال في بداياتها، وبعض البلاغات عن الفتوحات الجديدة في التكنولوجيا البيوطبية وانجازاتها، مثل الانتهاء من مشروع الجينوم البشري عام (٢٠٠٠) إنما يعد بتغيرات أكثر خطورة.

عواقب الثورة البيوتكنولوجية

في كتابه نهاية الإنسان يستعرض فرانسيس فوكوياما عواقب الثورة البيوتكنولوجية على الطبيعة البشرية وعلى السياسة وعلم الاجتماع والطبيعة الإنسانية. ويطرح العديد من الأسئلة: هل لها نتائج سلبية على الطبيعة البشرية أم إيجابية؟ وما هي الأعراض الجانبية لكل تغير تكنولوجي على الإنسان، كإنسان صممته الطبيعة منذ ملايين السنين؟

ففي فصل من الكتاب بعنوان: “لماذا القلق واجباً؟” يستعرض فوكوياما الأفكار التي وضعها الإنسان لتغيير الطبيعة البشرية حيث أن الفلاسفة من مرحلة أرسطو وأفلاطون، اعتبروا رابطة العائلة عقبة كبيرة في تحقيق العدالة الاجتماعية، وعاملاً قوياً للمحسوبية، فإذا كان هناك ثمة تضارب بين أداء واجب لأحد أفراد العائلة وأداء واجب نحو جهة حكومية لا شخصية جاءت العائلة أولاً، فحسب أرسطو، في الانتخاب يسرع الناس لانتخاب أقاربهم باعتبار أنهم يحبونهم لحد أكبر بكثير مما يستحقونه موضوعياً.

أما أفلاطون في كتابه الخامس من الجمهورية يشير إلى أن المدينة العادلة تتطلب شيوعية النساء والأطفال بحيث لا يعرف الآباء ابناءهم البيولوجيين. ومن ثم لا يستطيعون محاباتهم. وهذا السبب أيضاً في أن تفرض كل مجتمعات سيادة القانون تنظيمات لا حصر لها تمنع المحسوبية والتفضيلية في الخدمات العامة.

النوازع البشرية والرابطة العائلية

ينتقل فرانسيس فوكوياما إلى الأفكار السياسية الحديثة التي حاربت رابطة العائلة. ويستشهد بقوله أنه بسبب اللامعقولية في الحياة العائلية كانت النظم الشيوعية تستهدف العائلة كعدو محتمل للدولة. وذلك عندما كان الاتحاد السوفيتي يمجد صغير اسمه (بافيل موزوروف) الذي وشى بوالديه إلى بوليس ستالين في ثلاثينيات القرن الماضي فإنه كان يحاول بالتحديد تحطيم القبضة التي تحكم بها العائلة طبيعياً. وكذلك انهمكت الصين الماوية في صراع طويل ضد الكونفوشيوسية في تشديدها على طاعة الآباء. فحرضت الأباء على أبنائهم أثناء الثورة الثقافية في ستينيات القرن العشرين. إلا أن فوكوياما يعقب على ما ورد أعلاه، بأن الطبيعة البشرية بنوازعها وغرائزها أكثر عدالة من الأفكار التي وضعها الفلاسفة والمفكرين بقوله:

“إن النزوع إلى حب الأبناء بهذه الدرجة غير المعقولة له منطقه التكيفي القوي. فإذا لم تحب الأم أبناءها بهذه الطريقة فمن يا ترى سينذر موارده المادية والعاطفية اللازمة لتنشئة طفل حتى البلوغ”.

 ويذهب إلى أن الترتيبات العرفية الأخرى من الكميونات أو منشآت الرفاهة تعمل ولكن بصورة أدنى كثيراً. لأنها لا تركز على العواطف الطبيعية. ثمة هناك عدالة عميقة في العملية الطبيعية لأنها تتضمن أن يكون للطفل البغيض أو غير الموهوب والد يحبه على الرغم مما له من مسالب.

مستقبل التطور التكنولوجي

ينتقل فرانسيس فوكوياما إلى الموضوع الأساسي بسؤال الكتاب هل تطور علوم الشيفرة الوراثية وتطبيقاتها وتطور التكنولوجيا الطبيعية في المستقبل. وإن استطاع الإنسان أن يأتي بطفل من غير أب بيولوجي أو تطوير عمليات الحضانة الصناعية من دون زواج أو اختراع عقاقير لرفع منسوب الذكاء أو إطالة العمر، أو القدرة على تنحية الجين المعتل وتوليد ولد صحيح، فما أثر ذلك على سياسة العدالة الاجتماعية، والسياسة العامة والاقتصاد. فهل هذه التطورات تستطيع أن تصحب معها حياة طيبة وتلوي الطبيعة البشري. وتحقق ما كان أفلاطون وغيره يحلم به. أم سنطور علاجات وراثية تنتج على نحو غير متوقع أثار فظيعة لا تنكشف إلا بعد عشرين عاماً؟

يخطر في ذهني عند قراءة كتاب نهاية الإنسان وباء (كورونا) الذي فتك منذ سنتين بأرواح كثيرة من البشر. فإذا كان هذا الوباء ناتج عن تطوير في معامل بيولوجية. وذهب العالم كله للبحث عن لقاح فعال ينهي هذا الكابوس المرعب. وعلى فرض الاعتراف بلقاح فعال، فهل عدم أخذ هذا اللقاح مستقبلاً يجعل الوباء قاتلاً لم يصيبه. وهل هذا الفايروس قد يستطيع أن يضع حد لأعمار من هم مصابين بأمراض مثل السكري وأمراض القلب. ومدى الخسائر الاقتصادية التي سببها هذا الوباء لدول العالم. وهل سيغير هذا الفايروس المستجد شكل العلاقات الاجتماعية.كثير من المسائل والتصورات المتعلقة بعواقب الثورة البيوتكنولوجية يطرحها فوكوياما من غير جواب حتمي يترك الجواب للمستقبل، كان حتمياً بجوابه بكتابه السابق نهاية التاريخ واعتذر فيما بعد عن حتمية هذه النهاية.

اقرأ أيضًا: قصة الفلسفة الوجودية: نظرة إلى الوجود البشري

الخلاصة

النهج الأصلي من فرانسيس فوكوياما هو اهتمامه بالتداعيات السياسية لثورة التكنولوجيا الحيوية. على سبيل المثال، يمكن أن يكون لظهور فئة ذات موهبة وراثية متفوقة، والتي في مواجهة فكرة الكرامة الإنسانية العالمية، يمكن أن تتذرع بأسباب بيولوجية لهيمنتها. تتكرر الإشارة إلى نيتشه في الكتاب، لدرجة أن المفكر الألماني فهم أنه إذا كان بإمكان العلم تحسين الجنس البشري، فستظهر أيضاً أرستقراطية طبيعية جديدة.

يعتقد فرانسيس فوكوياما أن التحفظات التي أثارتها استخدامات التكنولوجيا الحيوية تهمنا جميعاً. سواء كانت لدينا قناعات دينية أم لا. وهكذا، على سبيل المثال، على الرغم من أنه لا يعتبر أن للجنين البشري نفس الحقوق التي يتمتع بها الإنسان، فإنه يعتقد أنه “ليس مجرد مجموعة من الخلايا أو الأنسجة مثل أي نسيج آخر، لأن لديه القدرة على أن يصبح كائناً بشرياً”. لذلك، “من المعقول أن نسأل – على أساس غير ديني – عما إذا كان ينبغي أن يكون للباحثين الحرية في تكوين الأجنة البشرية واستنساخها وتدميرها حسب الرغبة”.

باختصار، عمل فوكوياما بعيد كل البعد عن الرؤية المروعة والثقة العمياء في التجارب العلمية. ويقدم جرعة مناسبة من الواقعية السياسية.

This Post Has 2 Comments

  1. غير معروف

    شكرا للموقع

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك