التغيير الحقيقي: رحلة تبدأ من الداخل
يسود في عصرنا الحالي الهوس بالتحسين، وتتصدر كتب التنمية الذاتية رفوف المكتبات ومحركات البحث، يبدو أن السعي نحو التغيير قد أصبح طقسًا اجتماعيًا لا يُمسّ. لكن، هل حقًا نحن نتغير؟ أم أننا فقط ندور في حلقة لا تنتهي من محاولات الإصلاح التي تغذي قلقنا أكثر مما تخفف عنه؟ هذا المقال هو دعوة للتأمل في هذا المسعى الذي يحكم قبضته على وعينا المعاصر، انطلاقًا من تأملات باومان حول “الحياة السائلة”، لنكشف كيف أصبح التغيير هوسًا حديثًا، ولماذا قد يكون قبول الذات هو التحول الأعمق والأصدق الذي يمكننا بلوغه لتحقيق التغيير الحقيقي.
الإنسان السائل
بهذه الطريقة لا نعيش أبدًا، بل نأمل في أن نعيش؛ وبينما نحن دائمًا ننتظر أن نكون سعداء، يصبح من الحتمي ألا نكون سعداء أبدًا.
– بليز باسكال.
قرأت مؤخرًا تأملات باومان زيجمونت حول الحياة السائلة، وقد خطرت ببالي بعض الأفكار حول الهوس المستمر الذي يميز مجتمعنا: هوس التغيير بأي ثمن.
التغيير هو المسعى الكبير للإنسان السائل – كما يصفه زيجمونت – الذي يحلم بتكنولوجيا تمكنه من السيطرة على كل زاوية من حياته، تمكينه من إدارتها، والتخطيط لها، وترشيدها، وجعلها مربحة في نهاية المطاف. دعونا لا ننسى أن الإنسان السائل هو رجل أعمال ذاته: سيد وعبد في الوقت نفسه.. يعامل نفسه كما يعامل أي مستثمر مشروعه، حيث يسعى لاستخلاص أقصى الأرباح. كل ما نقوم به لأنفسنا هو بمثابة استثمار يجب أن يحقق مردودًا متوقعًا، ولذلك نأمل أن تجعلنا جهودنا “للتحسين” أكثر فعالية..
يختلف هذا السعي عما كان عليه في الأزمنة الماضية. ففي ذلك الوقت كانت الحياة الطيبة التي يكتسبها الرجل الحكيم بشق الأنفس هي الهدف. وكانت نقطة انطلاقه هي الاعتراف بحدود الذات والتصالح مع غموض الحياة… أما إنسان العصر الحالي، فهو يريد إعادة تشكيل ذاته حسب رغبته، كما يختار الأطباق في قائمة طعام؛ فالحياة بالنسبة له عبارة عن قائمة كبيرة من الرغبات والشهوات التي يمكنه اختيار أي شيء منها بشرط دفع ثمنه فقط…
عصر الخبراء
المختصصون هم المسؤولون عن تنفيذ هذا التغيير حسب الطلب. نحن نعيش في عصر “المتخصصين” أو “الخبراء” الذين يفترض أنهم قادرون على جعل كل شيء يعمل بشكل مثالي – بما في ذلك أنفسنا. أما نحن، فيتقلص دورنا إلى اتباع تعليماتهم ودفع مقابل خدماتهم. هؤلاء المختصون في “العقل” أو “الروح” هم طهاة مطبخ الحياة الكبير الذين يعدون لنا أطباق التغيير ويعدونا بنتائج مذهلة، لكنها نادرًا ما ترتقي لمستوى التوقعات..
ومع ذلك، نحن المسؤولون عن استمرار هذا السوق.. نحن الذين نفضل تفويض الآخرين بدلاً من تولي مسؤولية ما يخصنا.. ومهما بائت محاولات الخبراء بالفشل، فالمهم ليس النتائج بل المحاولات المستمرة.. الانتقال من حل إلى آخر، ومن وعد زائف إلى آخر، لأننا ما زلنا نحلم بسحر الحلول السريعة والسهلة.
العلاجات، النصائح، مجموعات العمل، التدريب، الطقوس، الفلسفات، الممارسات، المعتقدات، صيغ المساعدة الذاتية، المساعدة المتخصصة، المساعدة المتبادلة أو المساعدة الجماعية… لا ينضب سوق تحسين الشخصية عمليًا. وهذا هو كل ما يدور حوله الأمر: أن يكون هناك دائمًا شيء جديد لتجربته، وأن منتجًا جديدًا يتم استهلاكه والتخلص من المنتج القديم..
كل شيء يمكن تغييره
يعود هذا الهوس إلى اعتقاد سخيف مفاده أن كل شيء قابل للتحسين، وخاصةً أنفسنا.. يعمل الأمر كالتالي: إذا كنا نمتلك الإرادة والأفكار الصحيحة والجهد الكافي يمكننا أن نعيد تشكيل أنفسنا من البداية إلى النهاية حسب رغبتنا، يمكننا “إصلاح أنفسنا”، “تحسين أنفسنا”، “تطوير أنفسنا”.. لكن هل هذا الهدف ممكن؟ أم أن هناك شيئًا في داخلنا لا يمكن تغييره؟
نعم، هناك شيء. يمكن للمُحول أن يغير ما هو في الخارج، لكنه لا يستطيع أبداً أن يغير نفسه بالكامل؛ ففي كل نية للتحسين، يواجه الإنسان إرادته الخاصة… تغيير الرغبات هو أيضًا رغبة. لقد اعتدنا أن نفكر في أنفسنا ككيان متكامل، لدرجة أننا ننسى أن الذي يفكر ويحكم هو جزء من هذا الكيان..
نحن نطلب من علاجاتنا النفسية أن تجعلنا أكثر ثقة وهدوءً، وتوازنًا، لكن الجهد الذي نبذله لتحقيق ذلك يصبح مصدر انعدام أماننا الأكبر، وهو ما يزعزع استقرارنا. ويجعلنا أكثر قلقًا مما يخلق خلل في التوازن؛ ومهما حاولنا أن نصبح شيئًا آخر، فإننا دائمًا نعود إلى ما نحن عليه، والذي يتضمن في النهاية هذا السعي ذاته..
قبول الذات هو التغيير الحقيقي الأعمق
إذن، ماذا نفعل؟ هل لدينا حل أم لا؟ ربما لا، ولكن ماذا لو أدركنا أن هناك أشياء فينا لا يمكن تغييرها، لأنها ببساطة جزء من كياننا؟ فهل يعني ذلك أننا محكومون بالجمود والاستسلام والرضا؟
لا، بالطبع.. إن قبول الذات هو التغيير الأعمق الذي يمكن أن نطمح إليه، وهو أصل جميع التغيرات. إنه يعني العودة إلى الوطن والاعتراف به كملاذنا. يعني التوقف عن إذلال أنفسنا وإساءة معاملتها بمحاولة فرض تحسينات مزعومة. إنه التخلي عن العنف الذي تمارسه رغباتنا على العالم لتشكيله حسب أهوائنا..
يمكن الافتراض أن من هذا القبول يمكن أن تزدهر بداخلنا الكثير من الأشياء. إرادتنا، التي تقبل الآن حدودها، ستعود للعمل ضمن النطاق الصغير الذي يخصها: تحسين مهاراتنا في اللغة، تعزيز مهارتنا في التعامل مع الآخرين، الدفاع عن أنفسنا بشكل أفضل، وتذكيرنا بالتعاطف العميق الذي ينبغي أن يلهمه عجز الإنسان. يمكننا أن نستمر في النضال، لكن ليس ضد أنفسنا. ويمكننا أن نساعد بعضنا البعض في المهمة التي لا تنتهي: القبول، والقبول، والمزيد من القبول. القبول بالمغامرة الجميلة للحياة والموت..
عندما يكون الانطلاق من تقبل نفسك على ما هي عليه، فإن محاولة التغيير تصبح أشبه بلعبة، وبدلاً من الهوس القهري لمجتمعنا التجاري الذي يريد جعلنا أكثر “قابلية للبيع”؛ أي، أن نُعرض في الواجهات كسلع “خالصة العيوب”، ربما نكتشف أن ما أردناه كان شيئًا آخر، وإنه كان قريبًا منا طوال الوقت. وربما نتعامل مع الرغبات، حتى عندما تكون ضرورية، بروح رياضية وحس من الفكاهة: على استعداد لتقديم كل شيء، ولكن لتقبل الخسارة أيضًا…
صعوبة التغيير الحقيقي
التغيير صعب دائمًا في كل الأحوال، لأنه يتطلب مقاومة عناد الواقع، فذلك الواقع الشخصي مكون في الأساس من العادات، ولذلك يجب أن نبدأ من هناك. لا يمكن أن يحدث أي تغيير دون البدء بتحويل عادة غير مرغوب فيها. إن التحولات الكبيرة والمبهرة والعميقة نادرة، وهي مخصصة للعباقرة أو اليائسين أو المجانين. نحن مخلوقات العادة. تمر كل حياتنا عبر الأشياء الصغيرة، ولذلك يجب أن نبحث عن أنفسنا وننقذها في التفاصيل الصغيرة.. وهنا قد يكون من الأسهل أن نغير بعض التفاصيل الصغيرة شيئًا فشيئًا، ومقاومة الميل للعودة إلى حيث كنا. الإنجاز هنا هو إرساء عادة جديدة، وإذا نجحنا في ذلك، فربما نكون قد أسسنا شيئًا مختلفًا..
وسواء كان جيدًا أم لا، ما يهم في التغيير هو أن يصبح شيئًا طبيعيًا، أو واقعًا جديدًا. يمكن أن تؤدي التغييرات الصغيرة إلى تغييرات كبير؛ ففي بعض الأحيان يؤدي إزاله الحجر المناسب إلى انهيار الجبل. دعونا لا نتوقع الكثير، لكن لا نتخلى عن السعي نحو الأفضل، وإذا حققنا القليل أو لا شيء، أو إذا فقدنا ما حققناه مع الوقت، فلنرفع رؤوسنا ونتذكر أن الفشل هو الأمر الأكثر طبيعية دائمًا.. ثم نعود للبدء من جديد بهدوء، أو نوجه انتباهنا إلى شيء آخر…
لسنا بحاجة إلى ثورة داخلية كبرى في كل مرة نرغب فيها بأن نكون أفضل. فربما يكون الإنجاز الحقيقي هو أن نتصالح مع حدودنا، ونتقن التغيير الهادئ في تفاصيل الحياة اليومية. وسط ضجيج السوق النفسية التي تعدنا بالحلول الفورية، لا بد أن نعيد اكتشاف أنفسنا في صمت العادة، وثبات ما لا يمكن تغييره فينا. ففي النهاية، ليس الهدف أن نصبح نسخة “أفضل” للبيع، بل أن نعيش بشجاعة داخل حدودنا، أن نفشل دون أن نخجل، وأن نبدأ من جديد، لا لأننا لم نكن جيدين بما فيه الكفاية، بل لأن الحياة، ببساطة، تستحق المحاولة مرة أخرى.