مراجعة فيلم Drive My Car: قطعة أدبية معقدة ومثيرة للتفكير

You are currently viewing مراجعة فيلم Drive My Car: قطعة أدبية معقدة ومثيرة للتفكير
فيلم Drive My Car للمخرج الياباني هاماجوتشي

فيلم Drive My Car هو فيلم دراما ساحر مكون من ثلاثة أجزاء؛ وهو تكيف رائع لقصة الكاتب الياباني الغني عن التعريف هاروكي موراكامي التي نُشرت ضمن المجموعة القصصية “رجال بلا نساء”. كما إنه قطعة أدبية معقدة ومثيرة للتفكير. في هذا المقال نخوض سوياً رحلة شيقة من خلال مراجعة فيلم Drive My Car بشيء من التفصيل.

قصة فيلم Drive My Car

تدور أحداث الفيلم حول زوجين أحدهما: يوسوكي كافوكو – هيديتوشي نيشيجيما – وهو ممثل ومخرج مسرحي ناجح، وزوجته أوتو – ريكا كيريشيما – وهي كاتبة مسرحية يشاركها حياة مريحة وسعادة كبيرة على ما يبدو. وخلال ممارسة الحب بينهما تشرع أوتو الزوجة بارتجال قصة من وحي خيالها وتقصها على زوجها كي يتذكرها في الصباح. وتفعل ذلك حتى لا تنسى الأحداث وكأن لحظات الإلهام تأتيها فقط عندما تمارس الحب مع زوجها.

الجزء الأول

يتم استدعاء زوجها ضمن مجموعة من المحكمين في إحدى المهرجانات الفنية، لكن عندما يصل للمطار يأتيه اتصالاً هاتفياً ليخبره المتصل أن موعد المهرجان تم تأجيله نظراً لسوء الأحوال الجوية، فيعود على الفور إلى منزله ليجد أن زوجته المحبة تخونه مع ممثل صغير يدعى كوجي تاكاتسوكي – ماساكي أوكادا. يخرج كافوكو بهدوء ولا يخبرها بأي شيء. وعندما يحاول العودة إلى حياته الطبيعة تتمثل خيانة زوجته أمام عينه لذلك لم يستطع أن يخبرها بما يعتمل في نفسه، وهو لا يريد كذلك التخلي عن حياته الرائعة التي يحبها لذا يكتم هذا الامر بداخله ويحاول التعايش معه.

وفي ذات يوم وأثناء خروجه من المنزل في الصباح تطلب منه زوجته أن يعود سريعاً لأنها تريده في موضوع هام. فيدرك على الفور أنها سوف تعترف له بخيانتها ولسوف تتحطم حياته. لذا ما كان منه إلا أن عاد إلى منزله متأخراً وعندما دخل منزله وجد زوجته صريعة على الأرض، لتموت بعد ذلك نتيجة لنزيف في المخ.

الجزء الثاني

بعد ذلك بعامين، يجد كافوكو نفسه في هيروشيما ليخرج مسرحية العم فانيا، وهي مسرحية شهيرة للكاتب الروسي الكبير أنطون تشيخوف عن الحب بلا مقابل، وعبث الحياة البشرية. وقد لعب كافوكو دور العم فانيا في انتاجات سابقة لهذه المسرحية. ويتطلب عرض هذه المسرحية اختيار طاقماً دولياً من الممثلين ليقدموا شخصيات المسرحية بلغاتهم الأصلية. وعلى كافوكو أن يختار طاقم الممثلين بنفسه. لكن أغرب ما في الأمر هو دخول كوجي الذي كانت زوجة كافوكو تخونه معه لتجربة الأداء. يتفاجأ المخرج به، ويقبله ضمن فريق التمثيل.

يتعرف كافوكو بعد ذلك على سائقة سيارته التي يعينها له إدارة المسرحية، وذلك بسبب وجود مشكلة قانونية يتعذر معها قيادة المخرج لسيارته. كما إنه كان يحمل الكثير من الازدراء تجاه الممثل الشاب، لكنه مع ذلك حاول أن يتقرب منه من أجل أن يفهم تصرفات زوجته الراحلة.

الجزء الثالث

أثناء وجوده في السيارة، يواصل كافوكو الاستماع إلى شريط مسجل تم تسجيل المسرحية عليه بصوت زوجته أوتو. وذلك من أجل أن يحفظ الحوار عن ظهر قلب. ويبدو من الواضح أن سيارته مساحة مقدسة توفر له الحماية من العالم الخارجي. لذا كان يرفض في البداية تعيين سائق له. إلا إنه في النهاية امتثل للأمر الواقع.

تقود السيارة الشابة وتاري – توكو ميورا – ومع الوقت يبدأ التحفظ بينهما في الانهيار ومن هنا تشاركه وتاري خلفيتها الدرامية المأساوية. حيث كانت تعاني في حياتها الفقيرة مع والدتها التي تعاني من مرض انفصام الشخصية، وقد اضطرت الوالدة أن تعلمها قيادة السيارات من أجل توصيلها من وإلى عملها. لكن في لحظة انهيار منزلهما نتيجة لزلزال تركت وتاري أمها تحت الإنقاض دون أن تحاول مساعدتها. لذا فهي مازالت تشعر بالذنب وكأنها قتلتها.

اقرأ أيضًا: مراجعة فيلم The Tragedy of Macbeth: فرصة أخرى ضائعة

مراجعة فيلم Drive My Car

هاروكي موراكامي هو أحد أشهر الكتاب في تاريخ اليابان. مؤلف نشر العديد من الأعمال ويحظى بشعبية كبيرة لدى محبي الكتب. غالباً ما تكون قصص موراكامي لها بنية بشرية معقدة جداً في التوصيف بحيث يبدو التكيف السينمائي معها مستحيلاً. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، تم إجراء تعديلات ناجحة لأعماله في دور السينما، وفي أحدث حالة فيلم Drive My Car، المبني على قصة قصيرة تحمل نفس الاسم.

موراكامي وهاماجوتشي

تدور قصة Drive My Car، مثل معظم كتابات موراكامي، حول التوترات الداخلية للإنسان. التوترات التي نادراً ما تكون مرئية من الخارج. لكن ريوسوكي هاماجوتشي مخرج الفيلم أتقن نص موراكامي وتمكن من نقل نسخته من قصة المؤلف القصيرة إلى السينما. لكن الاقتباس السينمائي للقصة له بعض الاختلافات في السرد. ففي قصة موراكامي القصيرة، تمت مناقشة العلاقة بين كافوكو والسائق وتجنب التفاصيل الصغيرة، لكن هناك حبكات فرعية أخرى في النسخة السينمائية. مثل القصص الفرعية (مثل أداء مسرحية العم فانيا لتشيخوف) التي تمت إضافتها جيداً وببراعة إلى القصة الرئيسية، هذه المرة بلغة السينما، للمساعدة في التوصيف.

من الواضح أن المسار الذي اختاره هاماجوتشي لرواية القصة يختلف عن كتابات موراكامي. حيث يتناقض الفيلم الذي استمر قرابة الثلاث ساعات تناقضاً صارخاً مع رواية موراكامي القصيرة. ففي التكيف السينمائي تم تصوير جزء من الحياة الطبيعية للبشر بحيث يكون لدى المشاهد فهم كامل للشخصيات. كما أن فيلم Drive My Car ليس في عجلة من أمره للوصول إلى قصته. فهو يأخذ الناس إلى زوايا المدينة للتحديق في الزوايا في عزلة وتكرار حواراتهم اليومية، بحيث يتطور الفضول في نهاية المطاف في خضم هذه الروتين اليومي ويؤدي مسار هذا الفضول إلى الخلاص.

الشعور بالسوء

إذا كان هناك شيء واحد يجيده الناس فهو الشعور بالسوء. فنحن نحمل على كواهلنا الحزن والصدمة والندم ونضعها في أذهاننا. نحمل كل هذه الهموم ونحن نواصل روتيننا اليومي. بينما تبطئ هذه الأحمال من سرعتنا وتحرق طاقة ثمينة للغاية، لكنها مع ذلك تبقى في الداخل بعيدة عن الأنظار، إلى أن نقرر فتح هذه الخزانة لتفريغ الأمتعة التي تحتوي على أرواحنا المكدومة وقلوبنا المصابة. يتفهم المخرج الياباني الرائع ريوسوكي هاماجوتشي هذه الأعباء العاطفية تماماً ويأخذ عجلة القيادة بخبرة وهو يقودنا بلطف خلال رحلته الهادئة على الطريق لمدة ثلاث ساعات في فيلم Drive My Car.

الفهم والقبول في فيلم Drive My Car

فهذا الفيلم هو قصة مؤثرة حول أهمية الفهم والقبول؛ ربما يتصرف الكثير من الناس مع الأمور وكأنه ليس هناك خطأ يذكر، ولكن مع ذك تظل تطاردهم أشباح الكبت والندم. يدرك هاماجوتشي أن الجمهور يعرف تماماً هذا الألم العالمي. لذا ينقل لنا رسالته التعاطفية بسلاسة رائعة من خلال جمال أنواع الشخصيات والمرئيات والحوار. بينما يقطع شوطاً إضافياً ليضمن لركابه رحلة سلسة على الرغم من خشونة الطريق المعبدة.

Drive My Car مليء بالدفء على الرغم من قصته المفجعة لكنه يريد إيصال رسالة في النهاية مفاداها أننا ينبغي علينا أن نسامح أنفسنا، وهي نفس الرسالة التي تنقلها لنا مسرحة العم فانيا، والتي تقول لنا أن المصاعب التي نتحملها حتمية وغير مبالية بالعدالة. إن هذه المصاعب هي جزء غير سار ولكنه جزء لا يتجزأ من الحياة لا يمكن إلا تجاوزه.

يستغرق السيناريو وقته لتطوير سرده وموضوعاته حول الذاكرة والألم العاطفي والندم. فلا يبدو كافوكو بطل الرواية كشخصية مثيرة للاهتمام في البداية، ولكن هذا فقط لأنه لم يكن متعمقاً وصريحاً منذ البداية. لكن عندما يتعرف على سائقته وتشاركه أحمالها سرعان ما توقظ شيئاً ما بداخله كما لو كان جبل جليدي يذوب تدريجياً. فكلما زاد الوقت الذي يقضونه معاً، زادت معرفتها به وبالتالي تعرف المشاهدون عليه بشكل متزامن. وفي النهاية، نتعرف أيضاً على سائقته لأنها تنفتح عليه أيضاً. فمن المحتم أن يتواصل شخصان في السيارة في النهاية، لذا فإن هذا الجزء من الفيلم ليس مفاجئاً على الإطلاق.

عمق العلاقات الإنسانية

أما ما يثير الدهشة فهو مدى عمق العلاقة الإنسانية بين الاثنين دون أن يكون لهما علاقة رومانسية مع بعضهما البعض. لقد أصبحت مثل المعالج، وصديقة وأم له في وقت واحد على الرغم من حقيقة أنها أصغر منه. لكن رغم ذلك فهي تبدو أكثر نضجاً عاطفياً منه، ومن المفارقات أن لديها هي الأخرى أحداثها المؤلمة من ماضيها ينبغي عليها التعامل معها. إنه لأمر مدهش ومثير للاهتمام أن نلاحظ الديناميكيات المتطورة بينهما. وما يحدث عندما يواجه كافوكو عشيق زوجته المتوفاة، يتجنب المخرج الابتداع أو أي لحظات درامية كبيرة مثل التي تحدث في هوليوود. فلا توجد مطاردات بالسيارات أو معارك بالأسلحة النارية؛ فقط البشر يتفاعلون مع بعضهم البعض.

الطبيعة البشرية

يثبت هاماجوتشي أنه يدرك الطبيعة البشرية ولديه أذن طبيعية للطريقة التي يتحدث بها الناس. فلا يوجد حوار متكلف أو شرح مفرط. حتى العرض يشعر بأنه طبيعي جداً. كما إنه كما يبدو لا يخشى الخوض في الجانب المظلم للإنسانية واستكشاف المشاعر الإنسانية الصعبة. بطريقة ما، هناك شخصية أخرى موجودة هناك تركب معهما سيارتهما، ولكنها ليست على الشاشة: هي الجمهور. حيث يجعلك هاماجوتشي تشعر كما لو كنت متلصصاً يراقب شخصين مترابطين، وفي النهاية، يتشاركان الأفكار والمشاعر الحميمة مع بعضهما البعض. وذلك نظراً لأن كافوكو ووتاري يسحبان الستار تدريجياً عن إنسانيتهما ويكشفان ذواتهما الحقيقية بالعري العاطفي والاستبطان، لذا فإن الجمهور مجبر على فعل الشيء نفسه. لذا فإن Drive My Car هو في الأساس فيلم ناضج عاطفياً يكافئ الجمهور الناضجين عاطفياً والمتفهمين.

الوتيرة البطيئة في فيلم Drive My Car

من الواضح أن هاماجوتشي يثق في صبر الجمهور وهو يحرك الفيلم بوتيرة بطيئة وممتعة مع لحظات من الهدوء بين الحين والآخر. حيث يمكن النظر إلى بعض مشاهد القيادة – وهناك الكثير منها – على أنها قصة سفر من نوع ما، لذلك حتى لو كنت تعتقد أنك ستشعر بالملل منها، سيكون لديك مشهد لتستمتع به هنا وهناك. قد يبدو وقت العرض الذي يبلغ ثلاث ساعات مبالغاً فيه، ولكن بمجرد أن تعتاد على وتيرة الفيلم المنعشة والبطيئة وتنغمس في حياة شخصياته، فلن تشعر بثقل وقت العرض كثيراً. فجميع العروض طبيعية دون الإفراط في التمثيل أو التمثيل الناقص مما يزيد من إحساس الفيلم بالواقعية والعمق العاطفي الموجود أيضاً في السيناريو. إن فيلم Drive My Car هي رحلة تأملية وعميقة وممتعة.

ومع ذلك، هناك شيء واحد واضح تماماً، ففي هذا الفيلم يتمكن فيه المؤلف بذكاء ومهارة وتحايل من الوصول إلى أعماق الأشياء، حتى في جوهرها على وجه التحديد. ففي الخلفية، لدينا رمزية هيروشيما نفسها باعتبارها اسماً جغرافياً للمعاناة الإنسانية والدمار، والتي تتجدد الآن جسدياً حول ذكراها.

اقرأ أيضًا: مراجعة فيلم After Yang: عن الحزن والموت والأسرة في المستقبل

في الختام فإن فيلم Drive My Car هو دراما صلبة ومؤثرة مستوحاة من قصة من قصص واحد من أفضل الكتاب في العالم في الوقت الحالي. كما يترك الفيلم المشاهد بأفكار مضطربة مع العديد من الشكوك، ويدعوه للعودة إلى حياته على انفراد وفحص الحب بتعريف مختلف والتفكير أكثر في المحادثة والشعور الحقيقي. لا يهم ما إذا كنت، مثل كافوكو، تحفظ حوارات مسرحية بطريقة غريبة، أو مرتبط عاطفياً بشريك، تكون مصدر إلهام له لكتابة النص؛ كل هذه العجائب يمكن أن تكون شريحة من الحياة والحب وهذا هو سبب عيشك أو معاناتك إلى الأبد!

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك