أسلوب حياةفلسفة

قيمة الوقت: تأملات عن كنز الحياة المجهول

الوقت هو تلك الثروة التي نملكها دون أن ندرك قيمتها حتى تتبدد بين أصابعنا كحبات الرمل… هو تلك اليد الخفية التي تنسج خيوط حياتنا دون توقف.. يهمس لنا الوقت في آذاننا في كل لحظة ومع كل نبضة قلب قائلًا: أنا حياتك.. ماذا تفعل بي؟ يعرف البعض منا قيمة الوقت فيحسن استثماره، ليكون كالشجرة المثمرة، ويضيعه البعض الآخر، فيتلاشى كدخان في الهواء. الوقت ليس مجرد ساعات ودقائق، بل هو عمر يتنفس، وأحلام تنتظر أن تتحقق، وفرص تسير على أقدام خفية. فمن أدرك قيمة الوقت، أدرك سر النجاح وسعادة الحياة..

درس عظيم في الإنسانية

يقول سانت إكزوبيري في رواية الأمير الصغير:

الوقت الذي أمضيته مع وردتك هو ما يجعلها مميزة..

هذا واحد من المبادئ الأساسية في التعامل مع الحياة، وبهذا التأمل البسيط يقدم لنا الكاتب درسًا عظيمًا في الإنسانية، وعلم النفس، والسعادة. إنه يقلب ما يقتضيه المنطق رأسًا على عقب، ويتجاوز ما هو واضح ليكشف خيوط الدوافع الخفية..

من السهل أن نرى أننا نخصص وقتنا لما نعتبره مهمًا، لكن نادرًا ما ندرك العكس. نحن نعتقد بأن الأشخاص لهم قيمة أو عديمي القيمة في أنفسهم، قيمة داخلية قبل على لقاءنا معهم. ولكن في كثير من الأحيان، يبدون ذوي قيمة لنا ببساطة لأننا نخصص لهم وقتنا وجهدنا. لا توجد قيمة أفلاطونية، غامضة، داخلية للأفراد أو المواقف. القيمة هي المعنى الذي نمنحه نحن من خلال التفاعل نفسه، وهي تنبثق منه وتتجلى في تطوره.

ولهذا فإن اهتمامنا يمنح الأشياء قيمة. يوضح لنا قانون التنافر هذا التأثير: إذا ركّزتُ انتباهي وجهدي على شيء ما، فإنه يكتسب أهمية؛ وفي الواقع، يصبح مهمًا بقدر ما أبذل له من جهد، وبسبب ذلك. كان الكاتب الفرنسي محقًا بشكل خاص عندما تحدث عن الوقت؛ فالوقت هو العنصر الأكثر جوهرية ووضوحًا. الاهتمام هو موقف؛ والجهد هو سمة للفعل، والأهمية، في أصلها البسيط، لا تتطلب سوى الوقت، أي الحضور.. تفاعل، اعرف، شارك، ببساطة كن متواجدًا..

الوقت أثمن ما لدينا

قيمة الوقت
قيمة الوقت في الحياة

الوقت هو أثمن ما لدينا. نحن كائنات فانية، والحياة مجرد تنهيدة، وقتنا محدود، ويتناقص مع كل لحظة. وهذا يفرض علينا، منذ البداية، توترًا قد يقودنا للقلق. إنه شعور بالضيق الوجودي ينجم عن مجرد وجودنا، ولهذا لا مفر منه. يمكن مواجهته بطريقة مأساوية، أو بمواجهة قدرتنا على خلق المعنى. تقدّم الأديان حلًا صعبًا، حيث تتجاوز مسألة النهاية عبر توقع الأبدية، أي إلغائها؛ ربما تهدئ بذلك قليلًا من قلق المؤمنين، لكن التوتر يبقى: سواء كانت هناك حياة أخرى أم لا، فإن هذه الحياة التي أملكها ستنتهي، بل يمكنها حتى أن تؤثر على شكل الحياة الأخرى، وهذا ما يثقل كاهل المرء، وهو توتر حرج ذو طبيعة إشكالية…

التوتر الذي تفرضه علينا ندرة الوقت هو أيضًا وراء هذا النشاط المحموم الذي يميز عصرنا الإنتاجي المتسارع: فالأولوية للإنتاج، وندرة الوقت تفرض تسارعًا في النشاط. إن خفة الوجود التي لا تطاق يوازنها تضخم الفعل. لكن بهذه الطريقة يتحول وقتنا إلى مجرد أداة، أو يحولنا إلى أدوات له، مما يعزلنا عن حياتنا الخاصة التي بدلًا من أن تركز على نفسها، تركز على المتطلبات المفروضة من الخارج. لا يتعلق الأمر بنا، بل بما يجب أن نفعله، وهو فعل يأتي مفروضًا من الخارج ويتجه نحو النتيجة، ولذلك فهو لا يعطي قيمة تذكر للوجود..

قيمة الوقت والسعادة

إن اغتراب الوقت لا يمكن أن يجلب لنا السعادة؛ بل يُمرضنا. ومن هنا يأتي جيش من المعالجين والأطباء النفسيين، مدعومًا بكتالوج واسع من الأدوية، لدعم “مجتمع الأداء”، وهو المصطلح الدقيق الذي أطلقه عليه الفيلسوف بيونغ تشول هان. الهدف هو أن يتمكن الفرد المثقل، المرهق، المغمور بالمتطلبات من الاستمرار في الإنتاج، دون أن تقلل منه أو تدمره حالة عدم الرضا. التكنولوجيا المصممة لهذا الغرض هي بوضوح استغلالية (ذاتية الاستغلال)، وقد سقط الكثير على الطريق بأجساد أو عقول منهكة؛ أما الغالبية فتتسلق المنحدرات يوميًا، وتزحف بأفضل ما تستطيع، ولكن دائمًا مع شعور بالفراغ، والافتقار، والبقاء على قيد الحياة محرومًا وغير مكتمل..

نحن لا نتخذ من النشاط المفرط ملاذًا رمزيًا فقط من تناقضات الحياة، بل نواجهها أيضًا عبر السلع والخدمات. حيث يكمن وراء النزعة الاستهلاكية والتلقين الاجتماعي، عجز عن إيجاد معنى، وسعي يائس لاستعادته. نحن نحتمي من انعدام الأمان والهشاشة خلف جدار من الأشياء والترفيه. هذه الأمور ليست سيئة في ذاتها إلا حين تصبح قهرية. فالاستهلاك يعطي شعورًا بالشبع أو القوة التي تخفف من الشعور العميق بالعجز. نحتمي خلف “الامتلاك”، رغم أنه درع هش، ربما أكثر هشاشة من ذلك الذي يوفره “العمل”. تفقد الأشياء سحرها بمجرد امتلاكها، لأن الرغبة تفقد قوتها بمجرد تحقيقها. ولهذا يجب تجديدها باستمرار، كما يحدث في أي إدمان آخر.

بدائل زائفة

تأملات عن قيمة الوقت
صورة رمزية للأمير الصغير.. رواية سانت إكزوبيري

يدعونا سانت إكزوبيري للتخلي عن هذه البدائل الزائفة، وملء الوقت بما يمكن أن يجعله ذا قيمة حقيقية. هناك العديد من الفقرات في رواية الأمير الصغير ينتقد فيها محاولاتنا غير المثمرة لمواجهة القلق الوجودي. فالعديد من الشخصيات التي يلتقي بها الأمير الصغير محاصرة في فراغها، كل منها معزول في كوكبها النائي، أسرى للنرجسية التي تمنعها من العطاء الصادق، وهو العطاء الوحيد الذي يمكننا من استقبال ما هو ثمين.

لا يطمح الملك إلا للشعور بالسلطة؛ نحن غالبًا ما نستبدل فراغ العاطفة بوهم السلطة. يتوق الشخص المغرور إلى التصفيق، لكن مجرد الاعتراف لا يشفينا ولا يجعلنا أكثر أهمية؛ عندما يتوقف التصفيق، نبقى وحدنا وفقراء. أما السكير، فهو عالق في دائرة بائسة: لقد تخلى عن مواجهة حياته، ولا يريد إلا أن ينسى، رغم علمه بأن هذا النسيان مؤقت ومدمر للذات. رجل الأعمال يبحث عن إشباع التملك، الذي لا نهاية له بطبيعته؛ وكالملك، يعوض نقص القوة الحقيقية، القوة التي يمنحها الحب، بسلطة زائفة. يُؤدي حارس المصابيح واجبه، لكنها مهمة لا تملؤه بالرضا؛ الأمير الصغير يُكنُّ له التعاطف لإخلاصه لواجبه ــ “كان الوحيد الذي لم يظهر له على نحو سخيف؛ ربما لأنه كان يهتم بشيء يتجاوز ذاته” ــ ويُعجب بعطائه وثباته، وكان يود أن يصبح صديقًا له، لكنه يدرك أنه محاصر في نرجسيته مثل البقية: “كوكبه صغير جدًا ولا يسعهما معًا”.

مفهوم الزمن

يمكننا التعرف على أجزاء من أنفسنا في كل من هذه الشخصيات الرمزية. تلك الأجزاء التي تبقى مثلهم، عالقة في النرجسية والأعراف، مما يتركنا في النهاية وحيدين وتمنعنا من الوصول إلى ما هو ذو قيمة، والذي لا يُمكن الوصول إليه إلا عبر الآخر. يُصور الكاتب في وقت لاحق بصورة خاطفة عبثية النشاط الإنتاجي المُرهق، ذلك الهروب المستمر الذي يُغترب من خلاله الإنسان الحديث، وحتى أكثر من ذلك في حقبة ما بعد الحداثة. عندما يرى الأمير الصغير قطارين مسرعين، يتساءل عما يبحثان عنه بكل تلك العجلة؛ يسألهم إن كانوا غير سعداء حيث هم، فيجيبه مراقب السكة الحديد: “لا أحد يشعر بالسعادة حيثما يكون”. بعدها يتحدث الأمير مع تاجر حبوب يوفر الوقت الذي يقضيه في الشرب؛ بالطبع، الأمير لا يفهم ذلك: لو أتيح له ذلك الوقت، لقضاه في التنزه بهدوء حتى يصل إلى نبع ماء.

هذا المقطع الأخير يحمل أهمية خاصة لتأملنا، حيث يستعيد بدقة مفهوم الزمن. التاجر يتعامل مع الوقت من وجهة نظر إنتاجية؛ بينما يراه الأمير كفرصة للوجود، للاستمتاع، لاستكشاف السحر الغامض للوجود بهدوء. الوقت الذي تقضيه الحبوب والنشاط المفرط، الذي يتركنا فارغين، مقابل وقت التجوال الهادئ إلى منابع الماء، الذي يملؤنا بالمتعة والمعنى. الوقت الذي يُكرس للإحساسات الزائلة التي تمنحنا الشعور بالقوة، أو الاعتراف، أو التملك، أو التعلقات النرجسية، مقابل الوقت الذي يُفقد بلطف في رعاية وردة. زمن الوردة هو الوحيد الذي يمكنه ملؤنا، لأنه وقت الحب.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!