مراجعة فيلم The Banshees of Inisherin: دوامة لا يمكن إيقافها

You are currently viewing مراجعة فيلم The Banshees of Inisherin: دوامة لا يمكن إيقافها
قصة فيلم The Banshees of Inisherin

فيلم The Banshees of Inisherin هو فيلم يبدو بسيطاً مثل شخصياته لكنه لم يك كذلك قط فهو يكشف عن نفسه على إنه عميق ومعقد ومؤثر. إنه الفيلم الذي نحتاجه، والذي يعيدنا إلى أعماق الحياة البسيطة – إلى حياتنا – التي لا تتضمن أبطال خارقين، أو معارك فضائية، ولكن مشاكل حقيقية. مثل الصدمات العائلية، والمشاكل الاقتصادية، والحروب، والوعي بإنسانيتنا. في السطور التالية نستعرض قصة الفيلم ومراجعة سريعة عنه.

معلومات عن فيلم The Banshees of Inisherin

  • البلد: أيرلندا – المملكة المتحدة – الولايات المتحدة.
  • اللغة: الإنجليزية.
  • تاريخ الإصدار: 4 نوفمبر 2022.
  • المخرج: مارتن ماكدونا.
  • الكاتب: مارتن ماكدونا.
  • وقت العرض: 114 دقيقة.
  • النوع: دراما | كوميدي.
  • التصنيف: (R) للكبار فقط | يحتوي على مشاهد عنيفة.
  • فريق التمثيل: كولين فاريل| بريندان جليسون| كيري كوندون​​| باري كيوجان.
  • التقييم: 8.1.

قصة فيلم The Banshees of Inisherin

تدور أحداث فيلم The Banshees of Inisherin في أوائل القرن العشرين حول بادريك – كولين فاريل – وهو مزارع لطيف يعيش مع شقيقته في جزيرة أيرلندية نائية. لا يتطلب الأمر الكثير لإسعاد المزارع البسيط، فهو يعيش حياة بسيطة غير معقدة. حيث يتجول وسط المناظر الطبيعية الصخرية دون قلق، ويهتم بحماره الصغير، ويذهب إلى الحانة في نفس الموعد اليومي ليحتسي شراب مع صديقه الوحيد كولم – بريندان جليسون – الأكبر والأكثر حكمة. لكن تتغير هذه الأحوال فجأة عندما يقرر صديقه المقرب عازف الكمان عدم التحدث إليه بعد الآن لأنه يعتبره شخص ممل، وهو يريد أن يقضي السنوات الأخيرة من حياته في تأليف موسيقى تخلد اسمه في التاريخ دون ضياع هذا الوقت في الاستماع إلى تفاهات صديقه البسيط.

يؤثر هذا الأمر على بادريك فهو لا يفهم لماذا يتصرف صديقه القديم فجأة تجاهه برفض شديد؟ ومن ثم يصبح مهووساً باستئناف العلاقة بأي شكل من الأشكال أو على الأقل محاولة استبدال ذلك الصديق القديم بالذي يعتبر ” أحمق القرية” الشاب دومينيك كيرني – كيري كوندون – وهو شاب صغير يعاني من الضرب بلا رحمة من والده شرطي الجزيرة السيء. لكن لم تكتمل مثل هذه الصداقة الجديدة.

الهوس

لا يتوقف بادريك عن محاولاته الدائمة والمتكررة للاقتراب من كولم الصامت، وفي كل مرة يحاول بادريك الحديث مع صديقه يوجه له إنذاراً كئيباً. حيث أخبره بأنه لو تحدث إليه مجدداً سيقطع أحد أصابع يده بزوج من مقصات الأغنام، لم يأخذ بادريك تهديد صديقه على محمل الجد، لكن عندما حاول التحدث معه بعد ذلك قطع كولم إصبع من يده وأرسله إلى منزل بادريك. ثم أخبر شقيقته أنه لو اقترب منه مجدداً سيقطع أربعة أصابع أخرى. وعندما تحدث معه بادريك مجدداً نفذ تهديده بالفعل. تزامن هذا الأمر مع رحيل شقيقة بادريك إلى الجانب الآخر من الجزيرة للعمل.

ألقى كولم أصابعه الأربعة المقطوعة أمام منزل بادريك، لكن عندما عاد بادريك إلى منزله رأى حماره الصغير قد مات أثناء محاولته ابتلاع أحد أصابع كولم الملقاه على الأرض. لذا ذهب إليه للانتقام عن طريق إشعال الحريق في منزله.

اقرأ أيضًا: تحليل فيلم Solaris 1972: تحفة سينمائية فلسفية تأملية عجيبة

مراجعة فيلم The Banshees of Inisherin

قصة فيلم The Banshees of Inisherin
مشهد من فيلم The Banshees of Inisherin

يُعتبر البشر حيوانات اجتماعية. حيث يتوق معظمنا إلى التواصل والتفاعل البشري، والشعور المطلق بالقبول سواء من شخص أو مجموعة أخرى. والصداقة هي بالتأكيد واحدة من أغلى ممتلكات الحياة، ولكنها – مثل العديد من الكنوز – عادة ما تكون ذات طبيعة هشة. إن الفقدان المحتمل لأحبائنا هو خوف شائع، لكن علينا جميعاً مواجهته عاجلاً أم آجلاً. لكن ماذا تفعل عندما تنتهي صداقتك فجأة وبدون سبب وجيه؟ هذا السؤال المحرج يواجه بادريك بطل الرواية في الفيلم الروائي الطويل الجديد للكاتب والمخرج المسرحي الأيرلندي مارتن ماكدونا.

تحفة سينمائية

فيلم The Banshees of Inisherin هو رابع فيلم روائي طويل لمارتن ماكدونا، ذلك المخرج المسرحي الذي اقتحم هوليوود ليخرج لنا تحف سينمائية لم نر مثيلها منذ زمن طويل. فبعد رحلة ناجحة في فيلم In Bruges الذي كتبه وأخرجه عام 2008 وفيلم Three Billboards Outside Ebbing, Missouri يعود الأيرلندي إلى موطنه الأصلي في فيلمه الجديد. كما أعاد المخرج الثنائي الممتاز من الممثلين الشخصيين الذين كان قد أحضرهم بالفعل إلى الذروة في فيلم آخر من أفلامه.

لكن التعاون المتجدد أكثر هدوءاً ومضاداً للتأثيرات نسبياً، ولكنه يشير إلى نفس القوة كما في السابق. حيث يلعب كولين فاريل شخصية تتحول من شخص بسيط مبتهج وسعيد إلى واقعي مرير بسذاجة ساحرة. كما يعطي جليسون النظير البارد بشكل لا يقل إقناعاً ويسمح أيضاً بلحظات الوميض من الدفء البشري. يصبح بادريك مثالاً رئيسياً على كيف يمكن أن يؤدي الرفض والعزلة إلى تحطيم حتى أكثر الأذهان راحة. وفي الأدوار الداعمة تظهر كيري كوندون كأخته المتفوقة فكرياً والتي تهتم به بشده. وبمساعدة اللقطات الشعرية الكئيبة، تنعكس القفزة من اللامبالاة إلى الحزن أيضاً في اللغة المرئية.

حكاية حرب غامضة

يمكن قراءة فيلم The Banshees of Inisherin على إنه حكاية حرب غامضة إلى حد ما. ففي الخلفية يمكنك سماع القنابل تنفجر مراراً وتكراراً في الجزيرة الأيرلندية الرئيسية، حيث اندلعت الحرب الأهلية في عام 1923. ومن ناحية أخرى، تظهر الجزيرة النائية كملاذ أو كجنة بعيدة عن الكراهية والقتل، لكن لم يكن الأمر كما هو متصور فسرعان ما اتضح أن العزلة والمعاناة هي أساس الإرهاب في هذه المدينة الفاضلة، ولا مفر أن هذه الحرب التي تصور في الخلفية ستلحق بك عاجلاً أم آجلاً وبأي شكل من الأشكال. وهذه الكآبة غير المتوقعة في البداية تجعل دراما ماكدونا المروعة عن الصداقات المحطمة يتردد صداها بعد فترة طويلة من مشاهدتها.

الحروب لا تجلب إلا الموت والفقر والخراب واليأس. جيل بعد جيل تصر “حضارتنا” على السير على الجثث. وزرع الكراهية والبؤس ونبذ إنسانيتنا المفترضة. إننا نعيش ونعطي ظهورنا للعالم من حولنا، وهذا له عواقبه. هذه هي الطريقة التي تظهر لنا في التسلسل الافتتاحي لفيلم The Banshees of Inisherin وهو فيلم استعاري مليء بالجمال.

يتناول الفيلم لاعقلانية الحروب، ووحدة النفس البشرية، والصداقة، والحب. لكن عند التعامل مع مسائل بهذا العمق عن طريق السخرية الدقيقة والنقد الاجتماعي، فمن الضروري الحفاظ على التوازن حتى لا تقع في فخ العبث. وهذا ما حدث للأسف في فيلم مارتن ماكدونا. فما يعيب هذا الفيلم هو تشويه الذات المتعمد من أحد أبطال الفيلم، وهو بذلك يحتضن نفس الجنون الذي ينتقده في فيلمه.

النوازع البشرية

وعلى الرغم من هذا العيب إلا أن الكاتب استطاع صياغة حوارت قيمة عن مواضيع معقدة ومفصلة إلى حد ما، واستكشافها من وجهات نظر متعددة. حيث تتم مقارنة الاضطرابات بين البطلين بتوترات الحرب الأهلية الأيرلندية، وقد ترددت أصداء الخلفية الأساسية للفيلم عدة مرات بصوت القنابل القادمة مباشراً من الساحل الأيرلندي، على بعد بضعة كيلومترات من الجزيرة حيث يعيش بادريك وكولم. كما تجري في الجزيرة حرب مجازية، تخوضها جهة بصرامة ورفض، والجهة الأخرى بلطف ورغبة في التقارب. ومع ذلك، لن يتم خوض الصدام بهذه الأسلحة فقط. حيث سيأتي وقت تتصاعد فيه المعركة بين الاثنين تدريجياً.

يعرض ماكدونا فيلم The Banshees of Inisherin بأفضل طريقة ممكنة لمنحنا انطباعاً عن قرية نابضة بالحياة، وقبل كل شيء منتبهة لكل ما يحدث بداخلها، بدءاً من اهتمام أخت بادريك بأخيها، وحتى وقاحة الشرطي المحلي، ومن القيل والقال إلى الاهتمام المهووس لكبار السن الذي تمثله ماكورميك – شيلا فليتون – وهي ترمز لكيان روحاني تقريباً. وبالتالي تصبح المشكلة المشتركة بين بادريك وكولم أزمة وجودية يبدو أنها تجر الجميع – بطريقة أو بأخرى – إلى دوامة لا يمكن إيقافها.

في مواجهة كل هذا الاهتمام المحلي الذي أثارته نهاية الصداقة بين البطلين، تظهر تفاصيل مهمة في فيلم The Banshees of Inisherin، ألا وهي نظرة الحيوان. فطوال الفيلم يمكنك أن ترى نظرات حيوانات مختلفة، مثل حمار بادريك، أو حتى كلب كولم. حيث يقدم المخرج نظرة الحيوان كقاض محايد، عازم على مراقبة الديناميكيات التي تحدث في الجزيرة من مسافة تكشف أكثر النوازع البشرية. تشكل هذه النظرات الحيوانية إحدى العقد الهامة في تطور الفيلم.

صراع الهوية في فيلم The Banshees of Inisherin

لقد استطاع مارتن ماكدونا أن يمزج الهزل مع الدراما ببراعة شديدة، وابتكر عملاً ممتعاً يثبت أنه على دراية جيدة بالتعامل مع نوع معين من صراع الهوية. ربما تبدو لنا شخصيات فيلم The Banshees of Inisherin بسيطة مع القليل مما يمكن أن يقولوه لنا، لكن اتضح أنهم يحملون مشاعر قوية وعالمية. فنحن البشر جميعاً تساءلنا عما هو هدفنا؟ ولماذا نحن هنا؟ ولكن قبل كل شيء سألنا أنفسنا عما سنفعله بوقتنا؟ وإذا لم تعجبنا الإجابة سيؤدي ذلك حتماً إلى التسرع في تغيير مسارنا، حتى لو كان هذا قد يعني إغراق شخص آخر ومشاعر في بحر متلاطم الأمواج.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك