ثلاثية صمت الإله: (1) تحليل فيلم Through a Glass Darkly.. رأيت الله

You are currently viewing ثلاثية صمت الإله: (1) تحليل فيلم Through a Glass Darkly.. رأيت الله
فيلم عبر زجاج معتم.. الجزء الأول من ثلاثية صمت الرب

فيلم Through a Glass Darkly هو الجزء الأول من ثلاثية صمت الإله لإنجمار بيرجمان. تتمحور قصة الفيلم حول انحدار امرأة شابة إلى الجنون وكيف يؤثر ذلك على الأشخاص الثلاثة الأقرب إليها. لكن أسفل تلك القصة، يقدم الفيلم استكشافاً درامياً لقضية عميقة فلسفياً – كيف نبني جميعاً فهماً ذا مغزى للعالم من تعقيدات التجربة الإنسانية. يكمن دليل المعنى الأعمق للفيلم في عنوانه، المستمد من مقطع في الكتاب المقدس (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس (الأصحاح 13))، حيث ورد فيها أن قدرتنا على رؤية الجوهر الحقيقي للعالم (أي الله) محجوبة إذا كنا ننظر “من خلال الزجاج المعتم – أي الظلام”. لذلك من الطبيعي أن الدور الذي يلعبه الله في فهمنا للعالم هو أيضاً محل نقاش في هذا الفيلم.

قصة فيلم Through a Glass Darkly

تدور قصة فيلم Through a Glass Darkly حول أربع شخصيات يستمتعون بعطلة على جزيرة، وهؤلاء الشخصيات هم ديفيد – جونار بيورنستراند – كاتب يعمل على إكمال روايته؛ ومارتن – ماكس فون سيدو – زوج ابنته كارين وهو طبيب مهتم بمرض زوجته العقلي، وزوجته كارين – هارييت أندرسون – المصابة بمرض انفصام الشخصية، وأخيراً أخيها مينوس – لارس باسيجارد – الذي يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، ولديه علاقات محرجة مع أخته (التي هي جميلة وغير مريحة بالنسبة لهرموناته الناشئة). تدور الأحداث حول حالة كارين العقلية والطريقة التي يستجيب بها أفراد عائلتها الآخرون لها ويحاولون مساعدتها. ونظراً لوجود أربع شخصيات فقط، تبين أن الفيلم عبارة عن اختبار لهذه الشخصيات الأربع.

في البداية يخبر مارتن ديفيد عن مرض انفصام الشخصية الذي تعاني منه كارين، والذي يُعتقد أنه غير قابل للشفاء. وبعد العشاء، تؤدي كارين ومينوس مسرحية كتبها مينوس للترحيب بعودة والدهما، ورغم رده اللطيف والتعبير عن امتنانه بالمسرحية يبدو من الواضح أنها قد أساءت إليه لأنها تتحدث عن الأنانية لدى الكتاب والفنانين. وفي ذلك المساء يحاول مارتن أن يمارس الحب مع كارين إلا أنها ترفض وتخبره بأن مرضها قد قلل من رغبتها الجسدية.

من هذه البداية الطويلة نتعرف على كل شخصية من شخصيات الفيلم. فديفيد شخص عقلاني علمي ومكرس لأداء واجبه الأخلاقي. ومع استمرار القصة، يظهر أنه حكيم وأخلاقي من وجهة نظر موضوعية. فديفيد الكاتب هو أكثر تأملاً واستبطاناً لكنه أكثر أنانية.

في الجزء التالي من فيلم Through a Glass Darkly، نواجه حالة كارين العقلية. حيث توقظها أثناء الليل بعض أصوات الطيور الغريبة، لتنهض من نومها وتصعد إلى الطابق العلوي من المنزل الصغير الذي يقيمون فيه جميعاً. وهناك في الغرفة الخالية تسمع أصواتاً غريبة وترى أضواء غامضة خلف ورق الحائط على الجدران. إنها تمر بواحدة من نوباتها العقلية، ويجب علينا نحن المشاهدين محاولة فهم ما تراه. يمكننا بالطبع أن نرفضها باعتبارها “مريضة عقلياً”، لكن هذا بالتأكيد ليس هو الهدف في هذه القصة. وللتوضيح قليلاً، سأستطرد للحظة وأناقش قضية الجنون العامة هذه.

اقرأ أيضًا: سينما إنجمار برجمان: التصورات المظلمة للرغبات البشرية


قضية الجنون

نحاول جميعاً بناء نماذج عقلية قابلة للتطبيق من التفاعلات المعقدة التي لدينا مع العالم، وتحتاج نماذجنا إلى التحديث باستمرار في مواجهة التجارب الجديدة التي لا تتوافق مع توقعاتنا. هذه النماذج أساسية لدرجة أننا نأخذها كأمر مسلم به. على سبيل المثال، افترض أنني رأيت شخصية (تدعى زيداً) في الساعة 9:00:00 مساءً ثم أدرت ظهري لبضع ثوان. وعندما عدت مرة أخرى في الساعة 9:00:10 مساءً وواجهت زيد، لسوف اعتقد بسهولة أنه نفس الشخص الذي رأيته للتو – زيد مرة أخرى. وعندما أسمع أصواتاً قادمة من اتجاه ذلك الشخص، أعتبرها صوت زيد.

لقد اعتدنا جميعاً منذ أيامنا الأولى على تجميع هذه الأشياء معاً في نماذج متماسكة. بالطبع، يمكن أن ننخدع أحياناً، من قبل المتكلمين من بطنهم على سبيل المثال، ولكن عادة ما تكون نماذجنا الافتراضية للأشياء التي نتفاعل معها منطقية بالنسبة لنا. وبينما نراكم عدداً لا يحصى من الخبرات، تتطلب نماذجنا بعض التبسيط، لذلك نقوم ببناء السرد. فأنا لا أتذكر كل الأشياء الصغيرة التي رأيتها بالأمس، أتذكر فقط تلك الأشياء التي جمعتها في الروايات التي بنيتها عقلياً على طول الطريق. وأحياناً، عندما تكون هناك عناصر مفقودة في السرد، أتخيل أحداثاً معينة أعتقد أنه يجب أن تكون قد حدثت حتى يصبح السرد منطقياً. وبالتالي، فإنني “أملأ الفراغات” في رواياتي عند الضرورة من أجل الحفاظ على الاتساق. نفعل هذا طوال الوقت عندما نشاهد فيلماً أيضاً، نملأ الفراغات عند إجراء قص تحريري في لقطة أو مشهد جديد. ويجب أن تنسجم جميع نماذجنا الصغيرة ورواياتنا معاً في كل متماسك.

اقرأ أيضًا: إنجمار بيرجمان: سيرة حياة أحد أعظم المخرجين في تاريخ السينما


تجارب غير قابلة للتفسير

تقليدياً بالنسبة للعديد من الأشخاص، يتم تجاهل التجارب الجديدة “غير القابلة للتفسير” والتي يصعب دمجها في نماذجهم عن طريق ملء الفراغات بطريقة مباشرة أو يمكن نسبها إلى الآلهة والشياطين. بالنسبة للعقلانيين المعاصرين، هناك ميل لتهدئة الشكوك حول ما لا نفهمه حالياً (حتماً هناك دائماً أشياء لا نفهمها تماماً) ولإيماننا بالعقل والعلم، بدلاً من الإله كإجابة في النهاية. ولكن في أي مجتمع يعيش فيه المرء، تميل النماذج الفردية للعالم إلى المشاركة والتوافق مع بعضها البعض. وهكذا عندما أقول شيئاً ما وفقاً لنماذجي عن العالم، فأنت تفسر ما أقوله من منظور نماذجك عن العالم، وعادة ما يكون ذلك منطقياً. لكن ليس للجميع.

بعض الناس، أولئك الذين غالباً ما يتم تشخيصهم على أنهم يعانون من مرض انفصام الشخصية، لديهم نماذج مجزأة ومفككة للعالم لا تضيف بشكل جماعي إلى وجهة نظر متماسكة. إنهم يستحضرون وكلاء غامضين – آلهة وشياطين – لحساب التجارب التي لا يمكنهم فهمها بطريقة أخرى. ويقومون بملء الفراغات بأصوات لا يسمعها الآخرون ورؤى صور لا يراها الآخرون. لذلك قد يتم تشخيصهم على أنهم “مضطربين” أو مجانين. ربما يكون بعض هؤلاء المجانين متصوفين أو لديهم قوى إدراك متزايدة في واقع روحي بديل. ومهما كانت طبيعة الحالة، فإن هؤلاء الأشخاص عادة ما يكونون منبوذين أو يتم تشخيصهم لتلقي العلاج للمساعدة في جعلهم “طبيعيين”. في فيلم Through a Glass Darkly فإن كارين هي واحدة من هؤلاء الأشخاص الذين لديهم نماذج مجزأة، والشخصيات الثلاث الأخرى حولها تكافح من أجل التصالح مع ما يجب القيام به وكيف يمكنهم التعلم من هذه التجربة.

اقرأ أيضًا: تحليل فيلم The Seventh Seal: رقصة الموت الأخيرة


العقلانية العلمية

مع تقدم القصة في فيلم Through a Glass Darkly، لم يعدل مارتن – العقلاني العلمي – الطريقة التي يرى بها العالم. فبالنسبة له، كارين مريضة بشكل قاطع وديفيد فاسد أخلاقياً، وهذا كل شيء. إنه صادق وحسن النية، ولكنه أيضاً قاطع وحاسم. تم توضيح نهج مارتن القائم على العقل في حواره مع كارين:

  • كارين: تخيل أن يكون لديك امرأة مستقرة وهادئة تمنحك أطفال من صلبك، وتحضر لك القهوة بالفراش. تكون ناضجة، ناعمة، دافئة وجميلة. ألن يكون ذلك أمراً جميلاً؟
  • مارتن: أنا أحبك أنت.
  • كارين: أعرف، ولكن رغم ذلك..
  • مارتن: لا أريد أي شخص آخر.
  • كارين: بالرغم من أنك دائماً تقول وتفعل الشيء الصحيح، لكنك مخطئ هذه المرة.
  • مارتن: لو أخطأت فهذا بدافع الحب.
  • كارين: من يحب حقيقي دائماً يفعل ما يفعل أشياء تفيد من يحبه.
  • مارتن: في هذه الحالة فأنتِ لا تحبيني.

ديفيد ومينوس أكثر تعاطفاً ويحاولان إجراء تعديلات في الطريقة التي ينظران بها إلى العالم من أجل التواصل مع كارين وحبها.

بالعودة إلى قصة فيلم Through a Glass Darkly، بعد أن لاحقت كارين الأصوات الغريبة في الغرفة العلوية، ذهبت لتبحث في مكتب ديفيد أثناء خروجه وتكتشف مذكراته. قرأت فيها أن ديفيد (أ) يعتبر حالتها غير قابلة للشفاء و (ب) مرعوب من رغبته في توثيق تراجعها الحتمي من أجل خدمة كتابته الخيالية.

اقرأ أيضًا: تحليل فيلم Persona: التجربة النفسية الأكثر غموضاً وجاذبية


الطبيعة الأخلاقية

يكشف هذا المقطع عن الطبيعة الداخلية لديفيد: فهو شخص يحاول باستمرار التعرف على دوافعه المتضاربة والتوفيق بينها، وبالتالي تعديل فهمه للعالم. لاحقاً، أخبرت كارين مارتن عن هذا الأمر، وهو بدوره يدين ديفيد أخلاقياً عندما يخرج الاثنان للصيد. ولا يقوم ديفيد بأي محاولات للدفاع عن النفس، وبدلاً من ذلك يقدم لمارتن دليلاً إضافياً على شكوكه الذاتية من خلال وصف محاولته الفاشلة للانتحار. هنا مرة أخرى نتعرض لأحكام مارتن ودوافع ديفيد المتضاربة.

أثناء خروج ديفيد ومارتن للصيد، تقضي كارين ومينوس بعض الوقت معاً على الشاطئ. حيث تحكي له كارين عن أنها تتحدث مع أشخاص غامضين مختبئين خلف الحائط في الغرفة العلوية. وتقول إن هؤلاء “الآخرين” ينتظرون مجيء شخص ما، وتعتقد كارين أن الشخص الذي ينتظرونه هو الله. كما أخبرت مينوس أنه يجب عليها أن تختار، لذلك اختارت “الآخرين” على مارتن. ولكن بعد فترة وجيزة عندما تتعافى كارين، تأسف لإخبارها مينوس هذه الأمور وتطلب منه إلا يخبر الآخرين عنها.

علاوة على ذلك في فترة ما بعد الظهر، تخاف كارين من الطقس العاصف القادم وتهرب. يبحث عنها مينوس ويجدها داخل قارب صيد محطم على الشاطئ. عندما دخل مينوس القارب ووجدها هناك، أمسكت به فجأة، ويبدو أنهما تقابلا جنسياً (الدليل المرئي موحٍ فقط هنا).

اقرأ أيضًا: تحليل فيلم Solaris 1972: تحفة سينمائية فلسفية تأملية عجيبة


رؤية الله في فيلم Through a Glass Darkly

بعد عودة ديفيد ومارتن من رحلة الصيد، يذهب مارتن ليطلب من وحدة الإنقاذ أن تأتي لتأخذ كارين إلى المستشفى، بينما تنفتح كارين وديفيد – جونار بيورنستراند – على بعضهما البعض. هنا يثق ديفيد بأفكاره الأنانية، وتعترف كارين بأن الأصوات الغامضة التي كانت تسمعها كانت تأمرها بفعل أشياء غريبة، بما في ذلك إغواء مينوس. لكن الآن تقول كارين إن عليها أن تختار بين عالمين لا يتناسبان معاً. وقررت أنها مستعدة للعيش بشكل كامل في عالم الأشباح في مستشفى الأمراض العقلية، بشرط أن يتوقفوا عن العلاج بالصدمة.

بعد ذلك بوقت قصير، مرت كارين بنوبة أخرى من الجنون وصعدت إلى الطابق العلوي لتنتظر وصوله عبر الحائط. عندما تنظر عبر نافذة الطابق العلوي وترى المروحية القادمة، تصبح هيستيرية – أخذت المروحية هنا مظهر مرعب للإله (العنكبوت الشيطاني). وبعد أن هدأت، قالت: “لقد رأيت الله” وبدأت تسرد قصة العنكبوت قائلة: فُتح الباب؛ وبدلاً من أن يظهر الإله ظهر عنكبوت، وأتى تجاهي ورأيت وجهه، لقد كانت وجهاً صخرياً مرعباً.. زحف وحاول ان يهاجمني، ولكني دافعت عن نفسي.. طنت طوال الوقت انظر إلى عينه وقد كانت هادئة وباردة وعندما لم يستطع اختراقي استمر بالصعود إلى صدري ثم إلى وجهي ثم صعد إلى الحائط.. لقد رأيت الرب”

هنا ترى كارين أن الله شخصية شريرة، شخص غير محبوب، وليس حتى بشرياً في الشكل أو السلوك. إنه النوع الوحيد من الله الذي يمكن أن يفسر الألم والبلاء التي يتعرض لها هؤلاء الأشخاص الأربعة.

بدلاً من مواجهة هذا العالم بعد الآن، اختارت كارين العودة إلى المستشفى ورفض العلاج: “لا يمكن للمرء أن يعيش في عالمين. على المرء أن يختار “. لا يمكنها اختيار الصحة والعقل، لذا اختارت العكس. إيماءتها الأخيرة هي إطفاء الضوء من خلال ارتداء النظارات الشمسية وهي تغادر. لقد اختارت أن ترى من خلال زجاج مظلم.

اقرأ أيضًا: تحليل فيلم Eyes Wide Shut: الأشياء الغامضة لا ينبغي أن تُفسر أبداً


لا استطيع العيش في هذا العالم

في النهاية، يدخل ديفيد ومينوس في حوار أخير؛ وبالإشارة إلى علاقة الأخير الجنسية المؤلمة مع كارين، يتأوه مينوس ويقول: “عندما جلست لأمسك كارين داخل حطام السفينة.. الواقع قد انفجر في وجهي.. كان مثل الكابوس.. كل شيء يمكن أن يحدث”. إنه لا يعرف كيف يتكيف مع هذه التجربة المدمرة مع فهمه السابق. يقول: “لا أستطيع العيش في هذا العالم”. كما تأثرت بهذه الأحداث، يقول ديفيد إنه أيضاً ليس لديه إجابة، لكنه لا يزال يحمل أملاً واحداً.

“من المتعارف عليه أن الحب موجود كحقيقة في العالم البشري. . . لا أعرف ما إذا كان الحب هو الدليل على وجود الله أم أن الحب هو الله نفسه “.

يقول مينوس بعد هذه الكلمات: “إذًا كارين محاطة بالله، لأننا نحبها”.

في التحليل النهائي لفيلم Through a Glass Darkly، فإن كارين ليست محاطة فقط بمحبة الله (في أفراد عائلتها)، ولكنها أيضاً الوكيل الذي يجلب وعياً متزايداً واستعداداً للحب للأشخاص من حولها. وفي هذا الصدد، نجد إنها تتوافق مع الصوفية الدينية ووكيل الله. وفي جميع الحالات، نحن – سواء كانوا حداثيين أو مجانين أو متصوفين – ننظر من خلال الزجاج المظلم المغطى بالغيوم لهذا العالم ونصنع أشياء مختلفة نراها. أحياناً يرى القليل منا الحقيقة، ويرى آخرون الله، ولا يزال آخرون يرون إله العنكبوت. لكن هناك نوعاً واحدًا من التجارب يمكننا مشاركتها والذي يمكنه الاتصال بنا جميعاً وترسيخه: الحب.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك