سينما إنجمار برجمان: التصورات المظلمة للرغبات البشرية

You are currently viewing سينما إنجمار برجمان: التصورات المظلمة للرغبات البشرية
تطور أفلام إنجمار برجمان على مدار تاريخه الفني

لطالما كان إنجمار برجمان واحد من عمالقة المخرجين سواء في السينما أو المسرح أو التلفزيون. كما إنه أحد المخرجين الأكثر إنتاجاً في تاريخ السينما. لذا فإن الحديث عن أفضل أفلام إنجمار برجمان لهو مهمة صعبة للغاية. ومع ذلك سنحاول قدر استطاعتنا أن نخطو خطوة بخطوة نحو تطور سينما إنجمار بيرجمان منذ بدايتها الحثيثة وحتى النهاية العظيمة التي وضعته ضمن قائمة أفضل المخرجين في تاريخ السينما. لكن قبل الحديث عن أفلامه لابد من تناول موضوعات هذه الأفلام التي تميز بها عن غيره من المخرجين.

موضوعات أفلام إنجمار برجمان

تتعامل أفلام بيرجمان عادةً مع الأسئلة الوجودية المتعلقة بالفناء والوحدة والإيمان الديني. هذا بالإضافة إلى الموضوعات النفسية التي تسبر أغوار النفس البشرية لتفضح مكنوناتها. وهذه الأخيرة هي الموضوعات التي تميزت بها أعمال المخرج العظيم. لكن هناك تيمة أخرى ترتبط دوماً بإنجمار هي إظهار الرغبة الجنسية في مقدمة معظم أفلامه. وسواء كان الحدث المركزي هو طاعون العصور الوسطى كما في فيلم The Seventh Seal أو نشاط عائلي داخل الطبقة العليا في أوائل القرن العشرين كما في Fanny and Alexander أو فكرة الاغتراب المعاصر كما في فيلم The Silence ففي العادة تكون شخصياته الأنثوية أكثر اتصالاً بحياتهم الجنسية من نظرائهم من الذكور، ولا يخشون إعلان ذلك صراحةً. وقد صرح برجمان نفسه في إحدى مقابلاته قائلاً:

“إن إظهار الجنس مهم جداً – وخاصة بالنسبة لي – لأنني قبل كل شيء، لا أريد أن أصنع مجرد أفلام فكرية. أريد أن يشعر الجمهور بأفلامي. وهذا بالنسبة لي أهم بكثير من فهمهم لها”.

اقرأ أيضًا: تحليل فيلم Bergman Island: عندما تمتزج الحقيقة بالخيال

أسلوب وتقنيات إنجمار برجمان

تتميز جميع أفلام برجمان بوضعها المشاهدين داخل مجموعة من المشاعر النفسية غير المريحة ومشاركتها معهم وفضحها في كثير من الأحيان وغالباً ما يحدث هذا وجهاً لوجه، بالمعنى الحرفي للكلمة. حيث تعد الصورة المقربة التي لا هوادة فيها للوجه مفتاحاً رسمياً وموضوعياً لأعمال برجمان. وفي هذه اللحظات المتكررة والقريبة بشكل محرج والمطولة في أحيان كثيرة يمكن للمشاهد أن يرى ويفكر ويشعر بأحاسيس في حالات مختلفة من الأزمات.

تجبرنا تفاصيل هذا التشريح شديد التركيز على مواجهة كل من المادية الغامضة للوجه، ودوره كمركز عصبي تواصلي. حيث تتحرك الكاميرا بشكل غير مريح، وتسعى تقريباً للدخول إلى الداخل النفس البشرية. كما تلتقي نظرة الشخص على الشاشة لأزمة الوعي الذاتي بالمشاهد المتورط بالنظر إلى تلك الصورة – والمشاركة فيها. هذه الحركة التي تميز أفلام برجمان تحاول أن تستكشف بصرياً عالماً داخلياً يتجاوز ذلك الذي يوجد في الخارج.

اقرأ أيضًا: أفضل أفلام الحبكة الملتوية من القديم إلى الحديث

التأليف الشيطاني

كتب بيرغمان وأخرج حوالي خمسين فيلماً روائياً. ولأكثر من عشرين عاماً من أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، كان عمله أساسياً لثقافة السينما ودراسات السينما الأكاديمية ونوادي السينما في جميع أنحاء العالم. أما اليوم، فقد أصبح من أهم وأعظم مخرجي السينما في التاريخ. وذلك للأصالة التي تتمتع بها أفلامه.

في الماضي كان ينظر إلى أعمال برجمان على أنها سينما شخصية للغاية، ذات قوة لا مثيل لها. فلقد كان هناك شيئاً مثيراً بشأن تلك الصور التي استطاعت أن تولد مشاعراً ذاتية خام ومعقدة. ومع ذلك، عند قراءة بعض الأعمال النقدية من الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، بدا أن هناك شيئاً مقلقاً بشأن قوة هذه السينما، خاصةً عندما تم نطقها وتشكيلها من خلال شخصية مؤلف شيطاني.

كتب بيرجمان غالبية سيناريوهاته بمفرده. وفي ذروة حياته المهنية شهد حرية إبداعية لا مثيل لها. كما قرأ في الأفلام، وهنا نجد أن برجمان بصفته مؤلفاً يشعر بالثقل الوجودي للمسؤولية التعبيرية. حيث يستمتع بالإمكانيات الجمالية والفلسفية للسينما الحديثة. بينما يسأل أيضاً عن مدى الملاءمة والتأثير الأخلاقي للمؤلف المشفر ثقافياً ضمن الواقع الاجتماعي للحداثة.

اقرأ أيضًا: تحليل فيلم Ivan’s Childhood: دراما مأساوية عن روح الإنسان المعاصر

التنوع الأسلوبي والعدمية والكوميديا: العمل المبكر (1945 – 1956)

تلقت الأفلام الروائية الخمسة عشر التي أخرجها إنجمار بيرجمان بين عامي 1945 و1954 ردود فعل متباينة للغاية. حيث أشار البعض إلى أن هناك شيء جامح وعصبي خارج عن السيطرة في خيال بيرغمان يترك انطباعًا مقلقاً. ويبدو أنه غير قادر على الحفاظ على مستوى عقلي من الحالة الطبيعية.

يجسد مثل هذا النقد المشكلات التي واجهها برجمان طوال مسيرته الفنية. فعمل برجمان في الأربعينيات من القرن الماضي، والذي استجاب له النقد المحلي بشكل غير متحمس، غارق في الوجودية المتشائمة. وأبطال هذه الأفلام هم شخصيات شابة ساخطة تتحدث عن الهوامش الاجتماعية والاقتصادية للحياة المعاصرة في السويد. وهي غاضبة من الفشل الحتمي لمحاولاتهم لإيجاد مكان في الأنماط اليومية لواقع اجتماعي واقتصادي ممل ومحافظ.

إذا كان هناك موضوع ثابت لليأس الوجودي للشباب، فإن هذه الأفلام المبكرة تُظهر أيضاً برجمان وهو يحاول استخدام تقنيات رسمية مختلفة لتناسب اهتماماته الموضوعية. وقد وصل عمل الأربعينيات إلى ذروته في فيلم Summer Interlude (1951). هنا نجد أول قول بارع تماماً لصانع الفيلم. حيث يتجاوز هذا الفيلم صرخة الشباب، ويضيف طبقات غنية من الذاكرة والإسقاط إلى تصوير امرأة في الثلاثين من عمرها وهي تنظر إلى الخيارات التي تم اتخاذها عندما كانت صغيرة بما يكفي لعدم الشعور بثقل الوقت.

توضح المآزق الوجودية الناضجة حديثًا لفيلم Summer Interlude بوضوح حالة الذات الحديثة التي يمكن للمرء أن يميزها في كل فيلم من أفلام بيرجمان في الخمسينيات: كيفية الحفاظ على حياة بدون إيمان حقيقي – في الخير البشري، في المجتمع، في الله، أو حتى في الذات.

فيلم Summer with Monika (1953)

في فيلم Summer with Monika تم إنهاء قصة صيفية رائعة من خلال الواقع البارد للمراهقة مونيكا التي تبدأ علاقة متهورة مع هاري ويتخلى الاثنان عن عائلتهما. في هذا الفيلم تشكل مونيكا لحظة من السلبية الغامضة وتجعلنا نتساءل عما إذا كانت بطلة وجودية بالفعل أم إنها شريرة أخلاقياً؟ كما تجبنا على النظر في التأثير الأخلاقي للفرد المخالف على الآخرين.

Sawdust and Tinsel (1953)

صدر في نفس العام فيلم Sawdust and Tinsel وفيه يستخدم برجمان فناني السيرك لتصوير الحياة اليومية بشكل مبالغ فيه. حيث تدور أحداث الفيلم حول مدير السيرك وصراعاته مع زوجته التي انفصل عنها وعشيقته. وفي هذا الفيلم نجد الإذلال الشديد والعنف العاطفي في طقوس العمل ومشكلات الحياة اليومية وفي العلاقات الشخصية. وذلك نتيجة لتأثير الذاتية المليئة بالأزمات على العالم المباشر. وقد نظر العديد من النقاد إلى هذا الفيلم على أنه قفزة نوعية لإبداع برجمان الموضوعي.

لكن مثل هذه الأفلام كانت كوارث تجارية. لذا حاول برجمان أن يواصل العمل من أجل تحقيق نجاح جماهيري فما كان منه إلا أن قام بصناعة سلسلة من الأعمال الكوميدية على غرار A Lesson in Love (1954). ليتم تتويج هذه الأعمال بفيلم Smiles of a Summer Night (1955) بالحصول على جائزة كبرى في مهرجان كان السينمائي. كما أدى ذلك الأمر إلى تحقيق برجمان لشهرة ونجاحاً عالمياً.

Smiles of a Summer Night (1955)

رغم تحقيق هذا الفيلم نجاحاً باهراً إلا أنه يبدو غير نموذجي بالنسبة للسينما الفلسفية لبرجمان. ورغم إنه يطرح الكثير من الأفكار النفسية والعلاقات المعقدة من خلال الفكاهة إلا إنه لا يزال آخر أفلام برجمان قبل الوصول إلى مرحلة النضوج الكامل. فأحداث هذا الفيلم أثبتت فشل الكوميديا ​​في الوفاء بوعدها بالتخلص من رعب وعبثية المشاعر الإنسانية والمهزلة المثيرة للشفقة للأشخاص الذين يحاولون العيش بشكل مرضٍ وفقاً لقواعد مجتمعية سخيفة. حيث يتعامل فيلم Smiles of a Summer Night مع مشاكل سلوك البشر عندما يتحول الإيمان إلى أشلاء. وهي الفكرة التي سعت إليها أفلام برجمان بشكل جدي ومباشر في الأفلام التالية.

اقرأ أيضًا: تحليل فيلم El Topo: كتاب مقدس بلا عقيدة

الأزمة الوجودية: مرحلة النضوج (1957-1960)

بعد النجاح الباهر لبرجمان وحصول فيلمه الأخير على جائزة مهرجان كان قدم إلى المنتج نصه الأكثر شخصية حتى ذلك الحين. وفي ظل هذا النجاح تمت الموافقة على هذا السيناريو، وكانت النتيجة فيلم The Seventh Seal – وهو معلم حقيقي في تاريخ السينما من شأنه أن يجسد “السينما الفنية” في جميع أنحاء العالم لسنوات قادمة.

فيلم The Seventh Seal (1957)

The Seventh Seal هو أشهر أفلام إنجمار برجمان، بل وأفضلها على الإطلاق. تدور أحداث الفيلم حول قصة فارس يلعب لعبة الشطرنج مع الموت أثناء عودته من الحروب الصليبية. وقد صنفت افتتاحية هذا الفيلم على أنها أعظم افتتاحية في تاريخ السينما. كما صنع هذا الفيلم صورة جميلة عالية التباين للسويد في العصور الوسطى بل وأصبح أيقونة من أيقونات السينما الوجودية الجديدة التي كان لها صدى عميق في العالم في ذروة الحرب الباردة. وسأل جمهور أواخر الخمسينيات من القرن الماضي عن المخططات والقيم الميتافيزيقية التي يمكن أن تعيشها البشرية في وقت يكون فيه الموت المروع تهديداً يومياً.

Wild Strawberries (1957)

يعد Wild Strawberries الذي حقق نجاحاً كبيراً في جميع أنحاء العالم فيلماً مختلفاً تماماً عن سابقه. وهو أحد أفضل أفلام إنجمار برجمان. فهنا تكون أزمة الإيمان جوهرية تماماً في شكل شوق لقبول الذات الشخصية والمصالحة مع الآخرين ومع ماضي المرء. كما يقدم الفيلم انطباعاً عظيماً فيما يتعلق بتأثير الوقت والذاكرة كما رأينا في الشيخوخة. حيث تدور أحداث الفيلم حول أستاذ جامعي يسافر جنوباً من ستوكهولم مع زوجة ابنه لتلقي جائزة مهنية من جامعته. يمتاز هذا الفيلم بالصور التعبيرية الغنية لتسلسلات الأحلام وذكريات الماضي.

Brink of Life (1958)

تبع فيلم Wild Strawberries فيلمين آخرين أولهما Brink of Life في عام 1958، وهو عبارة عن دراسة إكلينيكية عن قرب لثلاث نساء في مراحل مختلفة من الحمل والإجهاض. ما يجعل هذا الفيلم مميزاً هو أن برجمان كان يفحص المشاعر وعملية الولادة، ويتحدث صراحة عن الحمل والإجهاض غير المرغوب فيه، ويعرض كل ذلك من منظور ثلاث نساء في المستشفى. فكرة جديدة كلية عن الشعور بالذنب واضطراب المشاعر التي يشعر بها كل شخص بسبب المواقف أو الأحداث المجهدة. إنه فيلم هادئ يدرس المشاعر ويخبرنا أن المجيء إلى العالم ليس بالأمر السهل.

The Magician (1958)

على النقيض من الفيلم السابق، فإن The Magician هو عمل باروكي ذو طبقات كثيفة للغاية. تدور أحداث هذا الفيلم في منتصف القرن التاسع عشر بمدينة ستوكهولم حول ساحر متنقل ومساعديه يتعرضون للاضطهاد من قبل السلطات. وهو فيلم تعبيري ومثير للسخرية، يطرح السؤال الأهم وهو: ما الذي سيؤمن به الناس العلم أم السحر؟ وما هي حدود الحقيقة الموضوعية في المقام الأول؟ إنه معركة بين العلم والإيمان.

The Virgin Spring (1960)

فيلم The Virgin Spring هي حكاية مروعة تدور أحداثها في السويد في العصور الوسطى عندما كانت المسيحية في طور الصعود والتخلص من الوثنية، حول اغتصاب وقتل فتاة وسعي والدها للانتقام. حقق هذا الفيلم نجاحاً هائلاً، وحصل على أول جوائز الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي. إلا أنه من نواح كثيرة أقل أعماله إثارة للاهتمام من تلك الفترة. ومع ذلك، فإنه يمثل بداية تعاون المخرج مع المصور السينمائي سفين نيكفيست، ليحل محل جونار فيشر (الذي كانت صوره ذات الزخرفة الغنية والمضاءة بكثافة مهمة جداً لعمل بيرجمان في الخمسينيات). ومن ثم ستصبح هذه الشراكة الجديدة واحدة من أهم شراكات السينما العالمية وأكثرها إنتاجية بين المخرج والمصور السينمائي، وقد استمرت حتى نهاية حياة بيرغمان في صناعة الأفلام.

The Devil’s Eye (1960)

شهد عام 1960 أيضاً The Devil’s Eye، والذي يعد مثل الفيلم السابق ندم بيرجمان على صنعها. هذه القصة التي تدور حول دون جوان الذي يأتي من الجحيم إلى الأرض في مهمة – لإغواء عذراء من أجل إفساد حفل زفافها فيقع في الحب. هذا الفيلم يُظهر مرة أخرى يد برجمان غير المستقرة مع الكوميديا. لكن بعد أن اعتبر المخرج نفسه أن هذان الفلمين قد فشلاً فنياً شرع بيرجمان في إعادة اختراع السينما الخاصة به. ولقد كان التغيير غير عادي.

اقرأ أيضًا: تحليل فيلم Lost Highway: رحلة عبر الممرات المظلمة للاوعي

الاختزال الميتافيزيقي في “ثلاثية صمت الرب” (1961- 1969)

كلما أصبح بيرجمان أكثر نضجاً كمخرج، زاد تركيزه بشكل لاذع وبلا هوادة على القوى المدمرة التي تتدفق تحت الثقافة التوافقية. في هذه الفترة من حياة المخرج انطلق بلا هوادة إلى تمثيل الصراع بين قوة الحياة والمشاعر الإنسانية وانخرط في كآبة مع العدمية واليأس والشك والإيمان. وقد بدا ذلك واضحاً في أفلام إنجمار برجمان الثلاثة التي تدعى ثلاثية صمت الرب أو كما يطلق عليها ثلاثية الإيمان. وهذه الثلاثية هي أفلام Through a Glass Darkly وWinter Light وThe Silence.

Through a Glass Darkly (1961)

هذا الفيلم أحد أفضل أفلام برجمان؛ وهو نوع جديد من الواقعية المعقدة والوضوح للصورة؛ يكاد المشاهد أن يشم ويشعر بعالم الفيلم، من خلال الظلال اللامتناهية للأصوات الرمادية وشبه المسموعة لجزيرة البلطيق النائية قبالة الساحل السويدي في الصيف. تدور أحداث الفيلم حول خروج كارين من مصحة للأمراض العقلية لتعود إلى منزل عائلتها على جزيرة نائية إلا أن الأمور تتعقد حينما تعتقد كارين أن الله يتحدث إليها.

في فيلم Through a Glass Darkly نجد أن السؤال المركزي يتمحور حول وجود الإله وهي نقلة نوعية في أفلام برجمان. فكارين تعيش مع والدها وزوجها وشقيقها المراهق الذي يعاني من أزمة هوية. ليس شقيقها فحسب بل جميع أفراد العائلة تعاني من أزمات نفسية مختلفة. ويقدم الفيلم نوعاً خاماً ومتناقضاً من الصدق الذي يميز تصورات بيرجمان المظلمة عن الرغبة البشرية.

Winter Light (1963)

في Winter Light، نجد صورة أخرى من صور الشك والإيمان المتمثلة في كاهن يكافح للاحتفاظ بالإيمان من خلال أداء طقوسي. لكنه يجد أن الشخص الوحيد الذي يحضر القداس هو عشيقته الملحدة. هذا الفيلم عن الإيمان والعزلة. عن البحث عن المعنى وعن غموض الحب. فيلم عن الضعف وحاجة الآخر. حول البحث عن الآخر كإجابة على الدوائر الباردة التي تحدد كل شخصية. فيلم عن معركة طويلة ومريرة قاسية وغريبة. وبدلاً من التفسير الفلسفي للعثور على إجابات عن الأسئلة الوجودية التي يطرحها الفيلم، تولد صور الصمت شبه الخالية من الكلمات تجربتنا وتجعل قراءتنا للفيلم مفتوحة للغاية على العديد من التأويلات.

The Silence (1963)

من خلال المصفوفة الجمالية لـ The Silence، نشاهد بشكل حسي غير مريح، أختين وصبي صغير ونشعر بهما حيث لديهم تجارب في فندق مدينة غريبة. فعندما تمشط آنا شعرها وتغسل ملابسها وجسمها، فإن العلاقة الحميمة اللمسية والعاطفية تكون إنسانية ومثيرة للغاية. وأثناء ثوران جسدها في خضم مرض خطير، تعبر الأخت الكبرى (إنغريد ثولين) عن نفورها؛ ويبدو ذلك في قولها: “كل ذلك مجرد نسيج وإفرازات جسدية” وهذا لا معنى له على الإطلاق. مما يجعلنا ندرك أن هذا الفيلم يطرح فكرة طبيعة الوجود. بينما تلعب إنغريد ثولين دور المؤمن الحقيقي الوحيد في The Silence – في الحقيقة والعقل والمعرفة والمعنى – وهي هنا شخصية متحللة مرتبطة بالموت.

حقق فيلم The Silence نجاحاً دولياً كبيراً، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى العري المثير للجدل آنذاك والجنس الصريح (لقد تم حظر الفيلم في العديد من البلدان). في غضون ذلك، أصبح بيرجمان مديراً للمسرح الدرامي الملكي في ستوكهولم عام 1963.

اقرأ أيضًا: تحليل فيلم The Tree of Life: ملحمة روحية تعبر الزمان والمكان والذاكرة

الأزمة النفسية في (1966-1969)

استقال بيرجمان من المسرح الدرامي الملكي في منتصف هذا العقد. وبدا كرجل منهك نفسياً. لذا حجز نفسه في مصحة للأمراض النفسية في عام 1965، وبعد فترة بدأ العمل على فكرة تستند إلى تشابه جسدي لاحظه بين بيبي أندرسون وليف أولمان عندما قدمت الأولى صديقتها الشابة له. ومن هنا كان الإنتاج الأسمى لبرجمان. إنه فيلم Persona.

Persona (1966)

واحد من أفضل أفلام إنجمار برجمان. في هذا الفيلم يستكشف برجمان موضوعات أخرى على غرار الزيف والكذب والخداع، وهو عبارة عن حرب نفسية غامضة بين امرأتين، حيث تدور أحداث الفيلم حول ممثلة شهيرة اختارت الصمت ولم تعد تتحدث منذ ثلاثة أشهر. وبعد الكشف عن حالتها يعلم الأطباء أن مرضها ليس جسدياً أو عقلياً بل إنها اختارت الصمت عامدة. لذا ترسل الممثلة مع ممرضة إلى كوخ منعزل على جزيرة لتبدأ الممرضة في الكشف عن أسرارها للممثلة.

إذا كانت الأفلام الأولى في الستينيات تميز برجمان بشكل متزايد بأنه صانع أفلام صعب، فإن فيلم Persona يقدم تحديات أكبر. تدور معظم أحداث الفيلم داخل كوخ على ساحل جزيرة فارو. لكن تجربة المرأة في المكان والزمان، جنباً إلى جنب مع فهم المشاهد لهذه الأشكال والروايات الشخصية تعاني من انقطاعات متزايدة حيث تتشكل طبقات مجزأة من المحفزات الموضوعية الشكلية في أحد أكثر الأفلام الطويلة صعوبة وانفتاحاً على الإطلاق.

Hour of the Wolf (1968)

في فيلم Hour of the Wolf ندخل في نظرة البطل من خلال شكل تعبيري أكثر وضوحًا. مثل The Magician، يوضح هذا الفيلم ما يمكن قوله عن أكثر سينما برجمان كثافة – إنه مثل فيلم رعب مقصور على فئة معينة. وربما يكون هذا أحد الأسباب لسمعة الفيلم الأقل شهرة – والأهم من ذلك، أن قربه من سلفه اللامع يضر بالفيلم، على الرغم من رغبة بيرجمان المعلنة في أن يواصل ابتكارات برسونا. لكن ربما يكون الفيلم في النهاية أقل جاذبية لأننا نواجه بطل رواية أكثر شيطانية.

تدور أحداث الفيلم حول فنان يقضي عطلته مع زوجته الحامل على متن جزيرة نائية لكنه يعاني من انهيار عاطفي أثناء مواجهته لرغباته المكبوتة. هنا نجد أنفسنا منخرطين بشكل وثيق مع موضوع فنان مرعب بشكل مباشر أكثر من شخصية برسونا. نحن نفكر ونشعر بشكل غير مريح بالسقوط الداخلي لبطل الفيلم.

Shame (1968)

في هذا الفيلم نجد ليف أولمان وماكس فون سيدو هما الزوجان مرة أخرى في فيلم Shame. وهذا الفيلم ينظر إليه على إنه ختام ثلاثية تدور حول العلاقة الأخلاقية للفنان بالواقع الاجتماعي مع الفيلمين السابقين، كما أنه يأخذ خطوة إلى الوراء في التعقيد الرسمي. إنه فيلم حرب بدون فعل أو أبطال أو وضوح، يهتم بالردود الأساسية للذات البشرية. حيث تدور الأحداث حول عازفي كمان يديران مزرعة في جزيرة نائية في محاولة للهروب من الحرب الأهلية. إلا أن الحرب تمس كل جوانب حياتهما. وهذا الفيلم يطرح قضية الفهم الوجودي للحرب وعبثيته.

غالباً ما كان يُنظر إلى فيلم Shame على أنه تعليق على الصراع في فيتنام وتعرض بيرغمان للهجوم بسبب ذلك. يمكن للمرء أن يتعاطف مع الشخصيات المركزية كضحايا سلبيين لحرب لا يمكنهم فعل أي شيء حيالها، أو انتقادهم بسبب نقص الفهم السياسي.

The Passion of Anna (1969)

يعد فيلم The Passion of Anna أول فيلم ملون جاد لبرجمان. وهو فيلم فضفاض ومفتوح للغاية، حيث نتابع قصة رجل (فون سيدو) يبدأ علاقة مع امرأة (أولمان) التي من المحتمل أنها قتلت زوجها، ثم قتلت أخرى (بيبي أندرسون) التي هي في أمس الحاجة إلى الاتصال من أي نوع. إنهم مهددون من الداخل لأن الماضي يتدلى حول أعناقهم مثل حبل المشنقة، معرضين لخطر رد الفعل المرعب من خلال عمليات نفسية رجعية ومدمرة. وهؤلاء الأشخاص المحتملون الخطرين هم أنفسهم في خطر من الخارج أيضاً. حيث يتم ذبح حيوانات الجزيرة في ظروف غامضة.

اقرأ أيضًا: تحليل فيلم Solaris 1972: تحفة سينمائية فلسفية تأملية عجيبة

الإنسانية الصعبة: العمل الدولي والتلفزيوني (1970-1983)

كانت السبعينيات عقداً أكثر نجاحاً لأفلام برجمان من حيث الإجماع التجاري والنقدي مقارنة بفترة الستينيات، حتى لو كانت أيضاً فترة من التراجع الإبداعي المتقطع. فمن المؤكد أن العقد بدأ بشكل مروع عندما وقًع المخرج صفقة إنتاج أمريكي مشترك في عام 1970 مع دينو دي لورينتيس عن فيلم The Touch، الذي سيتم عرضه في ستوكهولم ولكن تم تصويره باللغة الإنجليزية، وبطولة إليوت جولد وبيبي أندرسون. ومن الواضح أن بيرجمان لم يشعر بالراحة خارج لغته امراجعة فيلم Drive My Car: قطعة أدبية معقدة ومثيرة للتفكير
لخاصة، والفيلم هو نقطة منخفضة أخرى في أفلامه.

Cries and Whispers (1972)

لقد أحرقت اللغة الجديدة والمنتج الأجنبي برجمان بكل سهولة. لذا قام برجمان بإنتاج فيلمه التالي. الأمر الذي أدى إلى ظهور فيلم Cries and Whispers الذي ساهم في عودة برجمان إلى دائرة الضوء الرئيسية للسينما العالمية مرة أخرى، حيث احتضن النقاد والجمهور هذه القصة لامرأة ماتت ببطء في منزل ريفي محاط من قبل الأخوات الباردة والأنانيات وخادمتها / رفيقتها / عشيقها في مطلع القرن.

يلقي هذا الفيلم نظرة على الموضوعات التي تمت مناقشتها بشكل أكثر شمولاً في الأفلام السابقة، ويلقي نظرة سريعة على نغمة إنسانية أكثر سهولة – وإن كانت صعبة. فهو لا يعبر عن الإيمان والشك، بقدر ما يعبر عن حالة أزمة إنسانية ووجودية أبدية، وثورة ضد سلطة مطلقة قد تكون الله.

Scenes from a Marriage (1973)

وهو مسلسل تليفزيوني مكون من ست حلقات مدة كل حلقة خمسون دقيقة، وتدور أحداث المسلسل حول زوجين من الطبقة البرجوازية السويدية قضا معاً سنوات عديدة وفي النهاية تظهر معاناتهما مع الزوج والخيانة والطلاق. ويطرح الفيلم أفكاراً عن الثقافة المتحللة والابتذال وينتهك جميع المقدسات الخاصة بالزواج. كما يفضح جميع المشاعر السلبية المكبوتة التي تتدفق تحت سطح الحياة اليومية.

Autumn Sonata (1978)

تم تصوير فيلم Autumn Sonata في النرويج. وهو أحد أفضل أفلام إنجمار برجمان. تدور أحداث هذا الفيلم عن عازفة بيانو مشهورة تزورها والدتها للم الشمل. وهي إعادة لتيمة برجمان الشهيرة “سينما الحجرة”. أما بطلة هذا الفيلم فهي ليف أولمان التي أصيبت بالسرطان أثناء التصوير، وتقاعدت من السينما بعد ذلك مباشرة. بينما يبدو الفيلم أكثر نعومة وأكثر تصالحية بالنسبة للمخرج.

From the Life of the Marionettes (1980)

بكل تأكيد لا يمكن أن نتهم فيلم From the Life of the Marionettes بالدفء الإنساني والمصالحة بصورة أكبر من الملحمة العائلية Fanny and Alexander الذي احتفل به النقاد في عام 1983 ليتوج به برجمان مسيرته في النهاية. ورغم ذلك فإن فيلم Fanny and Alexander تم تصويره للتلفزيون الألماني وهو أصعب عمل في العقد الأخير لبرجمان. لكنه استمرار قوي لتركيز برجمان طوال حياته المهنية تقريباً على المواجهة المليئة بالشكوك مع هاوية شخصية جوهرية للغاية، والعرض الجمالي للذات الأزمة التي تولد نوعاً رهيباً من العلاقة الحميمة للمشاهد. يحكي الفيلم قصة رجل قتل عاهرة، وفي ذكريات زائفة على غرار “التحقيق”، يشارك في ألعاب نفسية قاتلة مع زوجته – التي يبدو أنه يشاركها في عملية نفسية مروعة تتجاوز الحب أو الكراهية.

Fanny and Alexander (1983)

قرر برجمان التقاعد من صناعة الأفلام التجارية مع عودته إلى السويد. ومن خلال إنتاج مشترك سويدي / ألماني غربي / فرنسي، أصبح فيلم Fanny and Alexander أغلى أفلام إنجمار برجمان، مع تصميم فخم وتصوير سينمائي فاز باثنين من جوائز الأوسكار الأربعة للفيلم. ومع ذلك، على الرغم من حجمه الفخم، لا تزال أفضل مشاهد الفيلم تتميز بمساحات وتفاعلات حميمة، والنسخة التلفزيونية الموسعة على وجه الخصوص هي أكثر بكثير من العمل الذي ظهر في البداية. هذا الفيلم الذي تتعدى مدة عرضه الثلاث ساعات هو آخر أفلام برجمان وأكثرها نضجاً. ويمكن القول بأن هذا الفيلم هو خلاصة عمل استمر أربعين عاماً.

اقرأ أيضًا: مراجعة فيلم Drive My Car: قطعة أدبية معقدة ومثيرة للتفكير

نهاية واحد من أعظم مخرجي السينما العالمية

تابع بيرجمان على الفور النجاح الهائل الذي حققته فاني وألكساندر بفيلم قصير أكثر تميزاً بعنوان ” After the Rehearsal “وكان مخصصاً للتلفزيون فقط، ولكن تم بيعه بعد ذلك للإصدار المسرحي. كان هذا هو آخر فيلم كتبه وأخرجه إنجمار برجمان.

قضى بيرجمان أواخر الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي في كتابة سيناريوهات بعض الأفلام، كان آخرها فيلم Faithless (1999)، من إخراج ليف أولمان)، وكتب بعض الروايات بالإضافة إلى كتابين عن سيرته الذاتية. الأهم من بينهما هو كتاب المصباح السحري الذي نال استحساناً كبيراً من قبل النقاد.

خلال هذه الخاتمة النشطة للغاية التي استمرت عشرين عاماً لواحد من أبرز مخرجي السينما العالمية، كان إنجمار بيرغمان شبحًا يطارد تاريخ الأفلام. لذا فهذا المخرج العظيم يستحق بجدارة أن يكون ضمن قائمة أعظم المخرجين في تاريخ السينما العالمية.


المراجع:

1.       Author: Keith Watson, Blu-ray Review:Ingmar Bergman’s Cinema on the Criterion Collection, www.slantmagazine.com, Retrieved: 02/10/2022.

2.       Author: Brian Tallerico, Ingmar Bergman’s Cinema is an Essential Blu-ray Release, www.rogerebert.com, Retrieved: 02/10/2022.

3.       Author: David Mermelstein, ‘Ingmar Bergman’s Cinema’ Review: On Blu-ray, Scenes From a Master, www.wsj.com, Retrieved: 02/10/2022.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك