مَن هو عمر الخيام؟ وهل هو مؤلف رباعيات الخيام فعلاً؟

You are currently viewing مَن هو عمر الخيام؟ وهل هو مؤلف رباعيات الخيام فعلاً؟

عمر الخيام كان عالمًا وشاعراً فارسيًا عاش خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين. في ذلك الوقت، كان عمر عالمًا ذائع الصيت. اشتهر بشكل خاص بعمله العلمي في مجالات الرياضيات وعلم الفلك والفلسفة. أما اليوم يتذكره الجميع بوصفه شاعراً عظيمًا. هذا هو الحال بشكل خاص في العالم الناطق باللغة الإنجليزية نتيجة لترجمة رباعيات عمر الخيام إلى الإنجليزية خلال القرن التاسع عشر. كما توطدت صداقة حسن الصباح وعمر الخيام ونظام الملك. وشكلت هذه الصداقة حياتهم جميعاً. فمَن هو عمر الخيام؟ وهل كان مؤلف الرباعيات فعلاً؟ هذا ما سنتعرف عليه في هذا المقال.

مَن هو عمر الخيام؟

ولد عمر الخيام في 18 مايو 1048 م، في نيسابور، وهي مدينة في خراسان فيما يعرف اليوم بشمال غرب إيران. اسمه الكامل غياث الدين أبو الفتوح عمر بن إبراهيم الخيام. تقول بعض السجلات التاريخية أن عمر الخيام ولد في عائلة من الحرفيين. فأصل كلمة خيام تعود إلى صانع الخيام، وهي مهنة والده. إلا أن بعض المصادر التاريخية الأخرى تزعم أن والده لم يكن صانع خيام بل كان طبيباً. على أية حال سواء كان والده خياماً أو طبيباً فمن الواضح أن عمر نشأ في عائلة ميسورة الحال، حيث تلقى تعليمًا جيدًا.

وفقًا لبعض الروايات، تلقى عمر تعليمه على يد بهمنيار بن المرزبان، وهو أحد تلاميذ ابن سينا. وبحسب آخرين، أمضى عمر معظم طفولته في بلدة بلخ، حيث كان تحت وصاية الشيخ محمد المنصوري، أحد أشهر العلماء في ذلك الوقت. وفي وقت لاحق عاد إلى نيسابور، وتلقى تعليمه من قبل عالم بارز آخر هو الإمام موفق نيسابوري.


حسن الصباح وعمر الخيام ونظام الملك

قدم إدوارد فيتزجيرالد قصة مثيرة للاهتمام إلى حد ما في مقدمته لترجمة رباعيات الخيام. حيث قال في وقت قريب من قبول الإمام موفق لعمر الخيام تلميذاً له، استقبل العالم الشهير اثنين من الطلاب الآخرين هما نظام الملك وحسن الصباح. وبينما كانوا يدرسون تحت قيادة الإمام موفق، أصبح الثلاثة أصدقاء حميمين، وتعهدوا بأنه إذا حقق أحدهم النجاح في وقت لاحق في الحياة، فسوف يتقاسم ثروته مع الآخرين بالتساوي.

العهد القديم

مع مرور السنين، أصبح نظام الملك وزيراً للإمبراطورية السلجوقية. وعندما علم عمر الخيام وحسن الصباح بنجاح نظام الملك، جاءا إليه ليطالبوه بنصيبهما من الثروة التي وعدوا بها. حافظ نظام الملك على كلمته وسأل أصدقاءه عما يريدون. طلب حسن الصباح مكانًا في الحكومة، والذي مُنح له بعد أن قدم نظام الملك طلبه للسلطان. ومع ذلك، كان حسن رجلاً طموحًا للغاية، وسعى إلى الارتقاء في الرتب بأي وسيلة كانت ضرورية. حتى أنه تآمر ليحل محل نظام الملك كوزير. لكن سقط حسن الصباح بعد انكشاف أفعاله الشريرة وتم إبعاده عن منصبه. وبعد اختفائه لفترة من الزمن، عاد حسن إلى الظهور كمؤسس لطائفة الحشاشين سيئة السمعة. وقد كان مقدراً لنظام الملك صديقه المقرب أن يقع ضحية لهذه الطائفة.

أما عمر الخيام كان على عكس حسن الصباح، فلم يطلب منصباً في الحكومة. لكنه بدلاً من ذلك أدرك أن أعظم نعمة يمكن أن يمنحها له صديقه نظام الملك هي السماح له بالعيش في زاوية تحت ظل ثروته لتعلم العلوم ونشرها على نطاق واسع. وهكذا ساعد نظام الملك صديقه عن طريق منحه معاشًا سنويًا قدره 1200 من الذهب من خزينة نيسابور. وقد سمح هذا لعمر بإجراء مساعيه العلمية في نيسابور لبقية حياته.

إن صحة هذه القصة المذهلة مشكوك فيها، باعتبار أن نظام الملك كان أكبر من عمر الخيام بحوالي ثلاثين عامًا. وبالتالي، يبدو من غير المحتمل أن يكونوا قد درسوا تحت نفس المعلم. ومع ذلك، فإن تصوير عمر الخيام كباحث متفاني هو تصوير دقيق تمامًا. حيث اشتهر عمر خلال حياته بسعيه الدؤوب للتعلم.

ربما تكون القصة الحقيقية هي أن شهرة عمر الخيام كعالم وصلت إلى مسامع السلطان السلجوقي مالك شاه الأول. لذلك، في عام 1073 م، تمت دعوته إلى أصفهان، وتم تكليفه بإنشاء مرصد فلكي. وقد تم الانتهاء من بناء هذا المرصد في العام التالي. ومن هنا عمل عمر الخيام في أصفهان كعالم فلك لما يقرب من 20 عامًا. خلال هذه الفترة، لعب دورًا رئيسيًا في الإصلاح السلجوقي للتقويم الفارسي.

اقرأ أيضاً: مَن هو سقراط؟ وكيف أدت أفكاره إلى إعدامه؟


أعمال وإنجازات عمر الخيام

أعمال وإنجازات العالم عمر الخيام
إنجازات عمر الخيام في الفلك والرياضيات

نتج عن عمل عمر وعلماء الفلك الآخرين في أصفهان اعتماد التقويم الجلالي باعتباره التقويم الرسمي للإمبراطورية السلجوقية في عام 1079 م. وعلى عكس التقويم الإسلامي القمري، كان تقويم الجلالي تقويمًا شمسيًا. كان هذا التقويم دقيق للغاية لدرجة أنه يحتوي على خطأ ليوم واحد فقط كل 5000 عام. على سبيل المقارنة، التقويم الغريغوري المستخدم اليوم به خطأ ليوم واحد كل 3330 سنة. لكن مجد مرصد أصفهان لم يكن مقدراً له أن يستمر. ففي عام 1092 م مات مالك شاه، على الأرجح بسبب السم. وقبل ذلك بشهر واحد، تم اغتيال وزيره. وبالتالي، فقد عمر وعلماء الفلك في أصفهان رعاتهم، وأغلق المرصد بعد فترة وجيزة، وألغي التقويم الجلالي. لكن مع ذلك لا تزال متغيرات هذا التقويم مستخدمة في إيران وأفغانستان حتى اليوم.

لم يكن عمر فلكيًا ممتازًا فحسب، بل قدم أيضًا مساهمات في مجال الرياضيات. ففي عام 1070 بعد الميلاد، على سبيل المثال، أكمل أطروحة رياضية تسمى مقاربات حول إظهار مشاكل الجبر. كان هذا عملًا مؤثرًا للغاية، ويتضح من حقيقة أن مبادئ الجبر الواردة فيه وجدت طريقها في النهاية إلى الغرب. بالإضافة إلى ذلك، عمل عمر على المصفوفة المثلثية لنظرية ذات الحدين، وبالتالي وضع الأسس لما يعرف اليوم بمثلث باسكال.

في عام 1077 م، أكمل عمر عملًا رئيسيًا آخر، تفسيرات الصعوبات في المسلمات في عناصر إقليدس. يقال أن نية عمر الأصلية كانت إثبات الفرضية الموازية (المعروفة أيضًا باسم افتراض إقليدس الخامس). بدلاً من ذلك، انتهى به الأمر إلى إثبات خصائص الأشكال في الهندسة غير الإقليدية، مما ساهم، وإن كان عن طريق الصدفة، في تطوير هذا الفرع من الرياضيات. يذكر هذا العمل أيضًا ما يُعرف اليوم باسم رباعي الخيام-ساتشيري. هذا شكل رباعي ضلعه متساويان وعمودي على القاعدة. على الرغم من أن عمر كان أول عالم رياضيات يفكر في هذا الرباعي، فإن التطور التالي للمفهوم، الذي قام به جيوفاني جيرولامو ساتشيري، حدث فقط خلال القرن الثامن عشر.

اقرأ أيضاً: نوال السعداوي: رحلة في عقل كاتبة أثارت الكثير من الجدل


رباعيات عمر الخيام

حسن الصباح وعمر الخيام
قصائد رباعيات الخيام

على الرغم من أن عمر كان معروفًا كمفكر خلال عصره وفي وطنه، إلا أن هذا ليس هو الحال تمامًا اليوم. فمنذ النصف الأخير من القرن التاسع عشر أصبح يُنظر إليه بشكل أكثر شيوعًا على أنه شاعر. لكن العلماء المعاصرون لا يتفقون تمامًا مع فكرة أن عمر الخيام كان شاعرًا. حيث يشك البعض في أن عمر لم يكتب الشعر على الإطلاق، بينما يستشهد آخرون إلى أن بعض علماء المسلمين في عهد عمر الخيام مارسوا كتابة الشعر ربما للتسلية. ومع ذلك، يرى آخرون أن عمر كتب بالفعل بعض القصائد، ربما حوالي 150 رباعية من الرباعيات، في حين أن الباقي ساهم به شعراء آخرون استخدموا اسم عمر الخيام. حيث أن فكرة نسب الشعراء أعمالهم إلى عمر ليست مستحيلة تمامًا، بسبب شهرته وسمعته.

يشار كذلك إلى أن معاصري عمر لم ينتبهوا كثيراً لأشعاره، هذا على افتراض أنه كان يكتب الشعر. لكن بعد قرنين فقط من وفاته، بدأت بضع رباعيات تظهر تحت اسمه. ومع ذلك، لم يتم تقدير هذه القصائد على حقيقتها. وبدلاً من ذلك تم استخدامها بشكل أساسي كاقتباسات لمناقشة بعض الآراء التي يزعم أن عمر الخيام اعتنقها. ولم يحقق شعر عمر هذه الشهرة الكبيرة إلا خلال القرن التاسع عشر، وذلك بفضل ترجمة القصائد من الفارسية إلى الإنجليزية والتي قام بها إدوارد فيتزجيرالد.

اقرأ أيضاً: ابن سينا: أعظم العقول في العصور الوسطى بلا منازع


ترجمة الرباعيات 

في عام 1859 م نشر إدوارد فيتزجيرالد عمله تحت اسم رباعيات عمر الخيام. ولم تكن على قدر عال من الجودة بل كانت ترجمة فضفاضة جدًا للقصائد المنسوبة إلى عمر. وذلك من خلال إضافة مشاعر فيتزجيرالد الرومانسية الخاصة بالقرن التاسع عشر إليها.

لم تحظ رباعيات عمر الخيام وقت نشرها بشعبية كبيرة. لكن في العقود التي تلت ذلك، أصبحت القصائد تحظى بشعبية كبيرة. حيث تم إنشاء صالون أدبي راقٍ في لندن، يسمى نادي عمر الخيام (وهو لا يزال نشطًا حتى اليوم). بالإضافة إلى ذلك، كان العمل بمثابة مصدر إلهام لفنانين مثل ويليام موريس الذي أنتج مخطوطتين مزخرفتين من الرباعيات.

وعلى الرغم من كل عيوب ترجمة فيتزجيرالد، فلا تزال ترجمته هي نسخة قصائد عمر التي يعرفها معظم الناس اليوم. علاوة على ذلك، فقد كان له تأثير كبير على الطريقة التي ينظر بها الغرب إلى الشعر الفارسي. وبشكل عام، تحتفي أشعار الرباعيات بملذات الحياة. لكن في الوقت ذاته يمكن استكشاف القضايا السياسية والدينية التي كانت موجودة في عهد عمر الخيام بداخلها. على أي حال، يُقال إن قصائد عمر صمدت أمام اختبار الزمن، حيث تردد صدى موضوعاتها مع الناس عبر الزمان والمكان.

لكن بالنسبة لبعض العلماء فإن هذه الرباعيات لا تقدم عمر فقط كشاعر، ولكن أيضًا كفيلسوف. حيث يمكن العثور على العديد من الموضوعات الفلسفية في الرباعيات، بما في ذلك البحث عن معنى الحياة، والجبرية والإرادة الحرة، والعدالة. بصرف النظر عن الرباعيات كتب عمر أيضًا عددًا من الأطروحات الفلسفية، بما في ذلك “عن الوجود والضرورة”، و “في معرفة المبادئ العالمية للوجود”، و “ضرورة التناقض في العالم، والحتمية والعيش”. ومع ذلك، يجب التأكيد على أن عمر الخيام معروف كعالم وشاعر أكثر من كونه فيلسوفًا.

اقرأ أيضاً: المنفلوطي .. الكاتب الذي لم يتقاض أجراً عن أدبه


وفاة عمر الخيام

في عام 1092 بعد الميلاد، عندما توفي كل من نظام الملك ومالك شاه، فقد عمر الخيام الرعاية التي كان يحظى بها. لذلك ذهب في رحلة حج إلى مكة. أما حياته في تلك الفترة فهي ضبابية إلى حد ما. حيث تذكر بعض المصادر أنه زار بغداد عندما كان في طريقه عائداً من مكة. ثم عاد مرة أخرى إلى نيسابور، وعاش هناك حياة منعزلة.

مصادر أخرى تزعم أن عمر الخيام ظل باحثًا نشطًا، وسافر إلى مدن مختلفة في المنطقة بحثًا عن المكتبات والحسابات الفلكية. وفي النهاية، عاد إلى نيسابور، بسبب تدهور صحته. ويذكر مصدر آخر أن عمر تلقى رعاية ملكية مرة أخرى، لكن هذه المرة من أحمد سنجر، حاكم خراسان الذي أصبح سلطان الإمبراطورية السلجوقية. يُقال إن عمر دُعي للعمل في بلاط السلطان، ثم تقاعد لاحقًا بسبب اعتلال صحته. ومن المثير للاهتمام، أننا لا نعرف سوى القليل جدًا عن حياة عمر الشخصية. حيث يُعتقد أن لديه زوجة وابنًا وابنة.

توفي عمر الخيام في 4 ديسمبر 1131 م. ومازال يُذكر في وطنه وكذلك في الغرب. وفي حين أن إنجازاته الفكرية معروفة في الأول، إلا أن شعره طغى عليها في الأخير. ففي إيران الحديثة، يُعتبر عمر الخيام بطلاً قومياً. وهذا واضح في إعادة بناء ضريح عمر الخيام الذي اكتمل بناؤه عام 1963 م. كما يوجد اليوم نصب تذكاري من الرخام الأبيض فوق القبر يزوره الحجاج الذين يرغبون في تقديم احترامهم لهذا الرجل العظيم.


المصادر:

1.    Author: The Editors of Encyclopaedia Britannica, (5/14/2021), Omar Khayyam, www.britannica.com, Retrieved: 7/23/2021.

2.    Author: Mehdi Aminrazavi, (9/6/2011), Umar Khayyam, www.plato.stanford.edu, Retrieved: 7/23/2021.

3.    Author: Joshua J. Mark, (5/27/2020), Omar Khayyam, www.worldhistory.org, Retrieved: 7/23/2021.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك