القلق الاجتماعي: تأملات عن الخوف من الآخر
يعج العالم بالضجيج والضحك والاندفاع نحو المتعة، لكن هناك من يراقب بصمت.. من يحيا على الهامش، يحتمي بالتأمل، ويبحث عن ملاذ في العزلة. هذا النص ليس مجرد وصف لحظة شاعرية، بل غوص في أعماق الذات التي ترصد الفرح ولا تقدر على احتضانه. هو تأمل في الهوة بين الرغبة والخوف والقلق الاجتماعي، بين الحياة كما تُعاش من الخارج، وكما تُستشعر من الداخل.
بدايات الانفصال
قادته نزهته الريفية إلى شلال تتدفق مياهه إلى بركة صغيرة. كان المكان يتمتع بجمال أخّاذ: المياه المتقافز بين الصخور العملاقة، والأشجار الكثيفة على الضفاف، والمروج المحيطة… ألهمه هذا الجمال بالنشوة الشاعرية، والتأمل الحالم.. قضى وقته يلتقط الصور ويسجل الملاحظات مستلقيًا على العشب. وما هي لحظات حتى اختفى ذلك الهدوء المنوّم، وإذا بحشد من الناس يرتدون ملابس السباحة، ويقفزون في المياه الباردة، يضحكون ويصرخون، يصعدون ويهبطون. كان الأطفال يثيرون ضجيجًا عاليًا بين الصراخ والقفز والدفع والركض.. شكلت هذه الأجواء الحماسية تناقضًا صارخًا مع تأمله الهادئ وروحانيته الصامتة..
وكما يحدث مع الأشياء الطبيعية التي تأتي بشكل عفوي دون تفكير، لاحظ أن متعة الآخرين تبدو غريبة عند مراقبتها من الخارج. تلك المتعة الخالصة التي تثير الأدرينالين، مثل الحفلات الصاخبة المفعمة بالمرح والرقص، أو الترفيه في مدينة ملاهي، أو رياضات المغامرات والألعاب الجماعية أو تلك الأنشطة الشاطئية التي يرتعش فيها الجسد وتشرق فيها العيون.. حين تأمل في كل ذلك من بعيد دون مشاركة، أدرك أن هناك شيئًا مقلقًا وغامضًا وبدائيًا.
طبقة مظلمة من الخوف
مظاهر القلق الاجتماعي
كان يشعر بشيء من الوحدة، تلك الطبقة المظلمة من الحزن أو الخوف وسط كل هذا القدر من البهجة الجامحة، وسط هذا الفيضان من الحياة والحيوية. كان يجد صعوبة في الانخراط في محادثات سطحية، وعلى وجه التحديد إذا كان وسط مجموعة تقتصر فقط على إلقاء النكات والضحكات، لذا كان يفضل الصمت ويشعر بالملل سريعًا.. حتى في المحادثات الثنائية، غالباً ما يقتصر على الاستماع، مما يؤدي إلى نفاد حماس الطرف الآخر بسرعة، إلا إذا كان هناك اهتمام مشتركًا أو تعاطفًا عميقًا، وهو أمر نادر الحدوث. لاحظ أن الناس لا يرغبون في سماع الكثير عن حياته الشخصية. وربما كانوا على حق، لأن كل شخص لديه بالفعل ما يكفي من همومه الخاصة، رغم تشابه تلك الهموم..
كانت النساء تلومه كثيرًا على كونه “عميقًا جدًا”. وافترض أنهن يقصدن بذلك غياب الحيوية والمرح والجاذبية في حضوره… أي غياب عنصر البهجة. ذات مرة أخبره صديق حكيم “ما تريده النساء هو الضحك“. وقد كان هذا الصديق مصدر بهجة دائمة، إلا عندما يسيطر عليه المزاج الاكتئابي. كان يدرك أن النساء محقات في ذلك: يجب أن نبحث عن الضحك، فالمرارة تأتي من تلقاء نفسها.. اعتقد أن حساسيته وصدقه وقدرته على الاستماع وتعليقاته الذكية ستجذبهن، لكنه أدرك لاحقًا أن كل ذلك بدا لهن مملًا وكئيبًا. ولا يمكن أن ينشأ الحب دون مرح أو فرح..
الهروب من القلق الاجتماعي إلى العزلة الآمنة
ربما بسبب تلك الصعوبة في الاستمتاع، كان يشعر بالراحة أكثر في الأنشطة الهادئة. حيث يمكنه أن يكون مجرد متفرج، يمر دون أن يلاحظه أحد، وحيث يستطيع بطريقة ما أن يظل وحيدًا دون أن يزعجه أحد بأنانيته. السينما، المسرح، القراءة، الكتابة، النزهات المنعزلة؛ كانت تلك هي الأجواء التي يجد فيها ملاذه. اعتقد أن مكانه المثالي هو مكتبة: ذلك الصمت، ذلك التدفق من الكلمات المضمونة والمتزنة على صفحات الورق التي لا تحصى، ذلك المجتمع من الأفكار الهادئة… الوحدة والصمت، هدوء الأشياء التي لا تتغير، هذا ما كان يجده مريحًا. كل شيء هادئ ومتوقع، فلا يحتاج إلى بذل جهد ليكون شيئًا معينًا؛ يمكنه أن يكون نفسه فقط. لم يكن ذلك ممتعًا له، لكن منحه الطمأنينة والإحساس بالدفء والاحتواء. لم تكن هناك أسبابًا للخوف، أو على الأقل ليس أكثر مما تبتكره خيالاته، وفي هذه المساحات، كان يشعر بالأمان. الخوف مرة أخرى هو ما يحدد النغمة..
كان يشعر على النقيض مع مدن الملاهي أو المهرجانات الممتلئة بالناس الذين يضحكون، ويصرخون، ويتحركون من هنا إلى هناك. لا يريحه الزحام، والضوضاء، والأضواء، والمشاعر التي تهز النفس… وعلى الشاطئ، هناك من يدوسون على أقدامه، أو يرشقونه بالماء والرمال، أو يزيحون نظراته المتقدة، ومع ذلك توجب عليه تحمل الرمال التي تلتصق بجسده. لقد كان ينزعج من الرمال منذ طفولته؛ قال والده أنه كان يحاول لمسها بأطراف أصابعه، لأنها تثير اشمئزازه عندما تلتصق به. وكان والده القاسي يمسك بيديه ويدفعهما ليمسح بهما الرمال على الأرض. لم يكن يعرف ما إذا كان والده مؤيداً للعلاج بالصدمة أو أنه كان يفعل ذلك بدافع الغضب. ليس من السهل التعامل مع طفل بطبيعته الغريبة تلك. على أي حال، لم تنجح تلك المحاولات، بل زادت من مخاوفه. ومع مرور الوقت، أدرك أن والده أيضاً لديه نصيبه من الغرابة، لكن هذا الإدراك لم يمنحه أي رضا؛ بل جعل الألم يبدو وكأنه تقليد عائلي..
القلق الاجتماعي والخوف من الناس
تحدث باستمرار عن الخوف، وعن المتعة، وربما عن الخوف من المتعة. أو بتعبير آخر: الخوف من الناس. أحب الفكاهة، لكن فقط عندما لا تكون هجومية أو وسيلة لجذب الانتباه، وعندما تكون موضع ترحيب دون أن تُفرض. لم يعتبر نفسه شخصًا جافًا أو متجهمًا، ممن يفرضون مسافة باردة منذ البداية. وإذا كان عليه أن يتواصل مع الآخرين، فهو يفضل المجاملة والود. ومع ذلك، كان يعترف أن دافعه الأول لذلك لم يكن التقدير أو الإعجاب، بل لأنه يشعر بالأمان بهذه الطريقة. ومن ثم، كان يؤدي هذا الأمان غالباً إلى تقديره للآخرين، حيث لاحظ أنهم أيضًا ضعفاء، ومن خلال هذا الضعف استطاع أن يجد وسيلة للتواصل. وإذا شعر بالارتياح والثقة، بإمكانه حتى أن يتحمل قليلاً من المرح: يصبح لديه خوف أقل..
لكن المجاملة لها ثمن. هناك من يستغلها، وهناك من يعتبرها ضعفًا. لقد حاول الجميع الاستفادة من هذه الكياسة لصالحه، وقد بدا الأمر سهلًا بالنسبة له، وعندما يدرك هذا الاستغلال، يحاول المناورة. لكن في بعض الأحيان يكون الأوان قد فات، وأحياناً يكون عليه التراجع عما قام به، واستعادة ما فقده. لم يكن الأمر سهلًا كما كان يتخيل بسبب افتقاره إلى احترام الذات، بسبب الخوف. هناك أناس طيبون يحترمونه، وعندما يدركون معاناته، كانوا يغيرون من سلوكهم إلى حد ما. لكن هناك آخرون لم يكونوا أشراراً، بل كانوا يحترمونه بشكل أقل أو لديهم أولوياتهم. وبما أنه لم يكن يضع حدودًا واضحة، كانوا يستمرون في سحب الحبل. لم يلومهم على ذلك؛ وربما كان سيفعل الشيء نفسه بطريقته الخاصة. كان هناك خداع ضمني في السماح لهم بأن يضعوه في دور الضحية، وهذا ما جعله يشعر بالاستياء، ويبرر انسحابه منهم أو قطع علاقته بهم..
الهشاشة الداخلية
هكذا تتبلور قصة معاناته مع القلق الاجتماعي في عالمه الداخلي، حيث لم يكن هناك سوى القليل من المرح. كان من الواضح أن عدوه القديم – الخوف – هو من يقف خلف كل ذلك: الخوف من تلك المودة التي يتمناها لكنه لا يؤمن بها، من تلك الصحبة التي يرغب فيها لكنها تشعره بالضيق، من تلك العلاقة الحميمية التي يشتاق إليها لكنها تكشف هشاشته. لم يمانع في اعتبار العلاقة الحميمية مستحيلة، لولا حقيقة أنه يجد نفسه في العزلة والوحدة وجهًا لوجه مع ذاته. ذات مظلمة بسبب الكبر، حزينة بسبب الانكسار، قَلِقة بسبب الخوف… ذات لا تعرف كيف تحب لأنها لم تتعلم كيف تحب نفسها. نفس لا تعرف كيف تحتفل وتغني، ولا تستطيع الهروب من المرارة إلا عندما تنسى نفسها، وتتوقف عن الشفقة على حالها أو التقليل من شأنها..
كان عجزه عن المتعة يرمز إلى عجز أعمق عن الاستمتاع. يرى الناس يرقصون ويضحكون، ويمزحون، ويقفزون، ويتركون أنفسهم للاستمتاع الخالص، أما هو، فلم يستطع ذلك… كان عليه أن يظل يقظًا، لأن هناك من سيلاحظ أنه أخرق في الرقص، أو يخطئ عندما يقول شيء ما.. ستراه الفتاة التي يحبها ساذجًا أو مملاً أو ما هو أسوأ: فاشلًا… مع مثل هذه المخاوف لا يستطع الاسترخاء.. جمود جسده وتوتره واضحين، يبدو مثل الروبوت، وكأنه عائق أمام فرحة الآخرين. وكان يدرك أن أكثر ما يمكن للآخرين فعله معه بدافع الشفقة هو تجاهله..
القلق الاجتماعي وخيبة الأمل
الحديث عن المتعة يقودنا إلى الجنس، تلك المتعة الخام بكل معانيها. الجنس، الذي يعري الإنسان حرفيًا أمام الآخر، ويحوله إلى حالة من الجنون الخالص بين الأخذ والعطاء. يتطلب الأمر نفسًا كريمة بما يكفي للعطاء، أو أنانية بما يكفي للأخذ بلا تردد، للاستمتاع به دون خوف. ذلك الخوف من الجرأة دون تردد، الخوف من العطاء دون ارتياب، الخوف من اللحظة التي لا تتوقع شيئًا لأنها تمتلك كل شيء.. تلك الاحتفالية بالحرية. وربما لهذا السبب كان يجد صعوبة في الاستمتاع بالجنس؛ فهناك الكثير من الشكوك، الكثير من الحذر حتى لا يقع في الفخ، لأنه في أي لحظة قد يُطلب منه الكثير، وربما لن يعرف كيف يرفض؛ أو قد يُحرم مما يطلبه، وربما لن يعرف كيف يتقبل ذلك؛ لأن خيبة الأمل لا بد أن تأتي عاجلاً أم آجلاً: خيبة أمله أو خيبة أمل الآخر، لأنه ببساطة خائف..
وبسبب هذا الخوف، كان يعيش معزولًا عن المتعة، يتجنب الاستمتاع، والعلاقات، والحب، وفيض الفرح. إذا نظرنا إلى الأمر من منظور سبينوزا، فقد جعله ذلك شخصًا حزينًا يعاني من القلق الاجتماعي:
الخوف هو حزن متقلب، نابع من فكرة شيء مستقبلي أو ماضٍ، نشك في حدوثه أو في تأثيره بطريقة ما..
الشفقة على الذات
ذلك الشيء الذي يشك في تأثيره، ربما يكون هو نفسه. لكنه لا يريد أن يقع في فخ الإغراء الشائع المتمثل في الشفقة على الذات. ورغم كل شيء كان يعيش بما لديه، وبما يستطيع. كان يعيش مع خوفه، ويعثر أحيانًا على لحظات صغيرة من الفرح تجعله يشعر بالسعادة أو بشيء قريب منها. وفي هذا كان يرى نفسه مثل الجميع..
ربما لا تكون الحياة حفلة صاخبة للجميع. وربما لا يكون الحب دائمًا ضحكًا وجاذبية. هناك من يخوض الحياة بخطى خائفة، من يعاني ليشعر، ويخاف ليحب، ويقاوم ليكون نفسه. ومع ذلك، فإن بقايا السعادة، تلك اللحظات الصغيرة التي تُسرق من الحياة، تمنحه ما يكفي ليواصل. فالخوف، وإن رافقه، لا يقتل بالضرورة الرغبة في الفرح… بل يجعله أكثر ندرة، وأغلى حين يأتي.